أخبار سياسيةمن "Monroe" إلى "Donroe": كيف تعيد واشنطن بناء نفوذها في أميركا اللاتينية؟

من “Monroe” إلى “Donroe”: كيف تعيد واشنطن بناء نفوذها في أميركا اللاتينية؟

- Advertisement - Advertisement

كتب: علي عيسى

حين قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة تستطيع استخدام قوتها المالية وميزانيتها العمومية أداةً للسياسة الخارجية، لم يكن يقدّم ملاحظة تقنية عن أسواق العملات. كان يعبّر عن جانب متزايد الوضوح في سياسة واشنطن تجاه نصف الكرة الغربي: المال نفسه يعود ليصبح أداة نفوذ استراتيجي. وربط بيسنت هذه الفكرة بتقوية الحلفاء في المنطقة، مقدّمًا الأرجنتين في عهد خافيير ميلي بوصفها مثالًا على ما تستطيع واشنطن فعله حين تقرر توظيف الدولار والخزانة في خدمة هدف سياسي وجيوسياسي.

جاءت هذه اللغة بعد أشهر من استخدام مسؤولين في إدارة دونالد ترامب تعبير “Donroe Doctrine”، وهو تلاعب لفظي يجمع اسم ترامب بمبدأ مونرو، وليس اسمًا رسميًا لعقيدة قانونية مستقلة. لكن استخدام المصطلح ليس بلا معنى: ففي تموز/يوليو، دعا إلبريدج كولبي، مسؤول السياسة في البنتاغون، دول أميركا اللاتينية إلى حماية أصولها الحيوية من القوى الخارجية وتعزيز التعاون الأمني مع واشنطن، في خطاب أعاد بوضوح فكرة أولوية الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

من مونرو إلى دبلوماسية الدولار:

أصل المقارنة

المقارنة التاريخية تحتاج، مع ذلك، إلى دقة. مبدأ مونرو الأصلي، الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823، قام على رفض استعمار أوروبي جديد في الأميركيتين وعلى الفصل بين المجالين الأوروبي والأميركي. ثم جاءت إضافة روزفلت عام 1904 لتمنح واشنطن تفسيرًا أكثر تدخلًا، قبل أن تظهر دبلوماسية الدولار في عهد وليام هوارد تافت بين 1909 و1913، حين استُخدم رأس المال والمصالح المالية لتعزيز الأهداف الأميركية في الخارج.

إذا استقرت “Donroe” المعاصرة كنهج فعلي، فهي تبدو أقرب إلى مزيج من هذه التقاليد الثلاثة: أولوية جغرافية من مونرو، قدرة على الإكراه من روزفلت، وأداة مالية من دبلوماسية الدولار. غير أن الفرق الجوهري أن المنافس هذه المرة ليس قوة استعمارية أوروبية، بل الصين، الحاضرة في خلفية الاستراتيجية الأميركية الجديدة دون أن تحتاج إلى احتلال أرض كي تبني نفوذًا في القارة. يكفيها أن تموّل ميناءً، أو تشتري النحاس والليثيوم، أو تدخل في قطاع الطاقة، أو توفر الائتمان والبنية التحتية، أو تصبح شريكًا تجاريًا رئيسيًا لدولة محورية.

من هنا، فإن واشنطن، إذا أرادت الحد من توسع الصين في جوارها الجغرافي، لا تستطيع الاعتماد على الأسطول والقواعد العسكرية وحدهما، بل عليها أن تنافس في السوق والائتمان والاستثمار والموارد. وهذا بالضبط ما تكشفه حالة الأرجنتين.

الأرجنتين: حين يصبح الدولار أداة سياسية

الأرجنتين هي المثال الأكثر وضوحًا. ففي 2025 أنشأت الولايات المتحدة إطار مقايضة عملات يصل إلى 20 مليار دولار لمساندة الاقتصاد الأرجنتيني وتوفير شبكة أمان للبيزو قبيل انتخابات تشريعية مهمة. ومن الضروري التمييز هنا بين السقف المتاح والمبلغ المستخدم فعليًا: الأرجنتين سحبت نحو 2.5 مليار دولار فقط، ثم سددت المبلغ بالكامل.

الأهمية السياسية لم تكن في الرقم وحده، بل في أن واشنطن قدّمت دعمها في سياق مساندة حكومة ميلي، أحد أقرب حلفاء ترامب في المنطقة. وهنا تظهر فعالية ما يُسمّى Financial Statecraft، أي توظيف القوة المالية في خدمة أهداف استراتيجية: فالدولة التي تواجه أزمة عملة لا تحتاج إلى قوات أجنبية بقدر حاجتها إلى الدولار والسيولة والثقة، وخط مقايضة أو دعم داخل المؤسسات المالية الدولية قد يمنح الحكومة وقتًا سياسيًا ويغيّر توقعات المستثمرين قبل أن يتحول أي انهيار محتمل إلى أزمة سياسية.والولايات المتحدة تملك في هذا المجال أفضلية استثنائية، لأن الدولار ما زال في قلب النظام المالي العالمي، وخزانتها وأسواقها تمنحها قدرة لا تستطيع دولة أخرى مضاهاتها بسهولة. لكن الأرجنتين ليست القصة كلها؛ فنزويلا تكشف الوجه الآخر للمقاربة نفسها.

من النفط إلى المعادنبعد إعادة تشكيل العلاقة مع قطاع النفط الفنزويلي، تسعى واشنطن إلى توسيع وصول شركاتها إلى قطاع التعدين والذهب وبعض الموارد التي تعتبرها ذات أهمية للأمن القومي، في حركة ترتبط أيضًا بمحاولة الحد من النفوذ الصيني في الموارد وسلاسل الإمداد. مع ذلك، يجب تجنّب المبالغة: البيانات الجيولوجية الفنزويلية قديمة وغير مكتملة في أجزاء واسعة، ولا يجوز التعامل مع كل مورد محتمل بوصفه احتياطيًا اقتصاديًا مثبتًا.

المعنى الأوسع أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يملك الوصول إلى النفط والموانئ والمعادن وشبكات التمويل وسلاسل الإمداد. وهنا يصبح “مبدأ مونرو” الجديد اقتصاديًا بقدر ما هو أمني، في بناء شبكة أوسع تمتد إلى كولومبيا والإكوادور والبيرو، حيث تعمل واشنطن على توسيع التعاون الأمني ومكافحة المخدرات وربط ذلك بالتجارة والاستثمار وإعادة بناء التحالفات السياسية. ففي كولومبيا، بحث ماركو روبيو توسيع التعاون الأمني، بينما تطلب بوغوتا دعمًا من المسيّرات والرادارات والمعدات لمكافحة المخدرات، وتسعى في الوقت نفسه إلى تخفيف الضغوط التجارية الأميركية.

النمط هنا مهم: الحليف لا يحصل على أداة واحدة، بل على حزمة تجمع الأمن والمال والتجارة والدعم السياسي. وتتضح أهمية هذه المقاربة أكثر عند النظر إلى قناة بنما، التي ليست مجرد ممر تجاري، بل عقدة تربط الأمن الأميركي بالتجارة الآسيوية وسلاسل الإمداد والطاقة. ولهذا شدّدت إدارة ترامب على ضرورة منع ما تعتبره نفوذًا خارجيًا مهددًا للأصول الحيوية في المنطقة.

حدود العقيدة: أميركا اللاتينية ليست رقعة شطرنجمع ذلك، سيكون خطأً النظر إلى المنطقة باعتبارها مساحة تستطيع واشنطن إعادة ترتيبها منفردة. فكثير من الدول لا تريد الاختيار الكامل بين الولايات المتحدة والصين؛ حتى الأرجنتين، رغم قربها من واشنطن واتفاق التعاون في المعادن الحرجة، أكدت رسميًا أن الاتفاق لا يمنع استمرار الاستثمارات الصينية في قطاع التعدين.

هذا يعكس حسابًا منطقيًا: دول المنطقة تريد الوصول إلى الأسواق الأميركية والقوة المالية الأميركية، لكنها تريد في الوقت نفسه الاستفادة من التجارة والتمويل الصينيين. وهنا يظهر الحد الحقيقي لأي “Donroe Doctrine”: الضغط وحده قد يعيد بعض الحكومات إلى واشنطن، لكنه لا يضمن نفوذًا مستدامًا. إذا أرادت الولايات المتحدة منافسة الصين بفعالية، فهي تحتاج إلى عرض اقتصادي طويل الأمد — استثمار وبنية تحتية وتمويل ووصول إلى الأسواق ونقل تكنولوجيا — علمًا أن الصين بنت قسمًا كبيرًا من حضورها بهذه الأدوات، لا بالشعارات وحدها.

مفارقة القوة الماليةتحويل الدولار إلى أداة جيوسياسية يحمل خطرًا مضادًا أيضًا. فكلما ازداد استخدام النظام المالي الأميركي لتحقيق أغراض سياسية، ازدادت حوافز بعض الدول للبحث عن بدائل: التسويات بالعملات المحلية، توسيع استخدام اليوان، تنويع الاحتياطيات، أو بناء شبكات دفع أقل اعتمادًا على الدولار. هذا لا يعني أن هيمنة العملة الأميركية مهددة في المدى القريب، لكنه يذكّر واشنطن بأن القوة المالية تختلف عن القوة العسكرية في نقطة أساسية: فعاليتها تعتمد على استمرار رغبة الآخرين في البقاء داخل النظام الذي يمنحها هذه القوة.

كما أن أميركا اللاتينية تحمل ذاكرة طويلة من التدخلات الأميركية، ولذلك فإن أي حديث عن “حماية نصف الكرة” يثير فورًا سؤال السيادة: متى يصبح دعم العملة مساعدة اقتصادية، ومتى يتحول إلى تدخل سياسي؟ ومتى تكون حماية الأصول الاستراتيجية تعاونًا، ومتى تصبح مطالبة ضمنية باحتكار المجال؟

خاتمة: عقيدة لم تكتمل بعد”Donroe” ليست حتى الآن عقيدة مكتملة، لكنها اسم مناسب لاتجاه تتقاطع فيه أدوات متعددة: البنتاغون يتحدث عن أمن الجوار، والخزانة عن القوة المالية، ووزارة الخارجية توسّع شبكات التعاون، فيما تتحرك واشنطن نحو النفط والمعادن والموانئ والتجارة.

في 1823 كانت رسالة مونرو أن الأميركيتين ليستا مجالًا مفتوحًا لاستعمار أوروبي جديد. أما الرسالة الأميركية الحالية، إذا استمر هذا النهج، فهي أكثر تعقيدًا: نصف الكرة الغربي مفتوح للعالم، لكن واشنطن تريد أن تبقى صاحبة القدرة الأكبر على تحديد حدود النفوذ الخارجي داخله. ولهذا قد لا تعود عقيدة مونرو في القرن الحادي والعشرين على ظهر بارجة حربية فقط، بل قد تعود في صورة خط مقايضة، ورخصة تعدين، واتفاق نفطي، وتعرفة جمركية، وقرار من وزارة الخزانة.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

الأكثر شهرة

احدث التعليقات