أخبار سياسيةمن مكة إلى هرمز: هل تنتقل قوة الشرق الأوسط من السلاح إلى...

من مكة إلى هرمز: هل تنتقل قوة الشرق الأوسط من السلاح إلى هندسة التوازنات؟

- Advertisement - Advertisement

علي عيسى

في مسافة زمنية قصيرة ، شهد الشرق الأوسط حدثين يبدوان للوهلة الأولى منفصلين تمامًا، لكن وضعهما في إطار تحليلي واحد يكشف أن كليهما قد يكون جزءًا من تحول أعمق في مفهوم القوة والأمن في المنطقة. ففي السابع من آب وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي تنص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، في صيغة قارنها مسؤولون أتراك من الناحية التقنية بمبدأ الدفاع الجماعي الوارد في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد أن الترتيب الجديد دفاعي بطبيعته ولا يستهدف دولة بعينها ولا يلغي الالتزامات والتحالفات القائمة.
أما الحدث الثاني فيتواصل في مياه مضيق هرمز، حيث تحوّل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية إلى ساحة ضغط عسكري وسياسي واقتصادي منذ اندلاع الحرب مع إيران في شباط 2026، ثم ازداد المشهد تعقيدًا مع الحصار البحري الأميركي والتهديدات المتبادلة وتعطل المفاوضات المتعلقة بإعادة الملاحة الطبيعية. وبحلول منتصف آب 2026 ، كانت حركة السفن التجارية قد تراجعت في بعض الأيام إلى أرقام أحادية، فيما دفعت المخاطر بعض الناقلات إلى البحث عن ترتيبات ومسارات بديلة.
الفرضية التي يطرحها هذا المقال هي أن مكة وهرمز لا يمثلان خبرين متجاورين على الشريط الإخباري بقدر ما يكشفان عن مسارين داخل عملية واحدة أوسع، تتمثل في انتقال الشرق الأوسط تدريجيًا من مرحلة كانت القوة فيها تُقاس أساسًا بحجم الترسانة ونوعية السلاح والقدرة على الحشد العسكري والارتباط بالقوة الخارجية الأقوى، إلى مرحلة تصبح فيها القوة أكثر تركيبًا وشبكية، فتشمل بناء التحالفات المرنة، وتنظيم شبكات الردع، وحماية الممرات التجارية، واستخدام التكنولوجيا والقدرات السيبرانية، وإدارة الغموض الاستراتيجي، وتوزيع المخاطر على أكثر من شريك.
ولا ينطلق هذا التحليل من افتراض أن الاتفاق يمثل تحولًا إيجابيًا أو سلبيًا، أو أن دولة بعينها تمثل عامل الاستقرار وأخرى مصدر التهديد، بل يحاول قراءة سلوك الفاعلين من خلال مصالحهم وحساباتهم الأمنية المختلفة، لأن فهم استراتيجية طرف لا يعني تبنيها، وتحليل دوافعه لا يستوجب تبرير الوسائل التي يستخدمها لتحقيق أهدافه.
هرمز: الجغرافيا تكشف حدود القوة العسكرية
منذ اندلاع الحرب مع إيران، أصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر يربط الخليج ببحر العرب، إذ تحول إلى نقطة تتداخل فيها القوة العسكرية بالاقتصاد العالمي، بحيث يستطيع أي تغيير في حركة الملاحة الانتقال سريعًا إلى أسعار النفط والشحن والتأمين والأسواق المالية.
وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر هرمز بلغت نحو 20.4 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من عام 2025، قبل أن تنخفض إلى نحو 14.6 مليون برميل يوميًا خلال الربع الأول من 2026، أي بتراجع يقارب 30 في المئة، فيما أصبحت الصورة أكثر حدة خلال آب عندما تراجعت حركة السفن التجارية في بعض الأيام إلى أرقام أحادية.
لكن الحشد العسكري والقدرات البحرية والجوية والتهديدات الإيرانية والحصار الأميركي لم تنتج حسمًا نهائيًا، بل أوجدت ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد التوتر المُدار”، حيث تبقى بعض أشكال الملاحة ممكنة بينما تستمر التهديدات وتتعايش الأسواق مع درجة مرتفعة من عدم اليقين. وهذا الوضع يمثل في ذاته أداة ضغط، لأن الاقتصاد لا يحتاج إلى توقف التجارة بالكامل كي يتأثر، بل يكفي ارتفاع المخاطر حتى تتغير حسابات شركات الشحن والتأمين والدول والمستثمرين.
وهنا يظهر تحول مهم في مفهوم القوة؛ ففي الممرات البحرية الاستراتيجية لا يحتاج الطرف إلى السيطرة الكاملة كي يحقق أثرًا سياسيًا واقتصاديًا، بل يمكن لمجرد امتلاك قدرة موثوقة على تعطيل الملاحة أو جعلها أكثر كلفة وخطورة أن يمنحه ورقة تفاوضية، ولذلك يصبح الخوف من التعطيل نفسه جزءًا من الردع.
من قوة السيطرة إلى قوة التعطيل
يقود هرمز إلى مفهوم أوسع هو الانتقال الجزئي من “قوة السيطرة” إلى “قوة التعطيل الشبكي”. ففي النظام التقليدي كانت القوة تُقاس بقدرة الدولة على احتلال الأرض وهزيمة الجيش المقابل والسيطرة على الموارد والطرق التجارية، بينما يسمح العالم شديد الترابط اليوم لفاعلين أقل قدرة من القوى الكبرى بإنتاج تأثير استراتيجي كبير إذا استطاعوا تعطيل نقطة حيوية داخل الشبكة العالمية.
ولم يعد التعطيل مقتصرًا على الجغرافيا والسلاح التقليدي، بل امتد إلى المجال السيبراني والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنى التحتية للطاقة والاتصالات والشبكات المالية وسلاسل الإمداد، ولذلك تستطيع دولة تملك موقعًا عند مضيق بحري، أو قدرة سيبرانية متقدمة، أو سيطرة على مورد استراتيجي، تحويل موقعها داخل الشبكة إلى مصدر للقوة والردع من دون امتلاك تفوق عسكري شامل.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الاستراتيجية الإيرانية؛ فطهران تدرك الفارق بينها وبين الولايات المتحدة في موازين القوة التقليدية، لكنها تستطيع محاولة رفع كلفة المواجهة من خلال الجغرافيا والصواريخ والمسيّرات والقدرات السيبرانية والتأثير في الملاحة، فيما ترى واشنطن وحلفاؤها أن حماية حرية الملاحة ومنع استخدام المضيق كأداة ضغط يدخلان ضمن حماية أمن الطاقة والنظام الاقتصادي الدولي. وهكذا يصبح السؤال ليس فقط من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحويل ما يملكه إلى كلفة يفرضها على الآخر.
اتفاق مكة: بناء الردع من خلال متكاملة امنية واقتصادية
في مقابل منطق الضغط الذي يظهر في هرمز، جاء اتفاق مكة من زاوية مختلفة، إذ انتقلت السعودية وتركيا وباكستان من التعاون الدفاعي إلى صيغة دفاع جماعي تمنح كل دولة إمكانية الاستفادة من عناصر القوة الموجودة لدى الشريكين الآخرين من دون أن تضطر إلى امتلاكها منفردة.
فالسعودية تمتلك الثقل المالي والموقع المحوري في أسواق الطاقة والعالمين العربي والإسلامي، بينما تمتلك تركيا جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متنامية وخبرة عملياتية وموقعًا يصل الشرق الأوسط بأوروبا والبحر الأسود وشرق المتوسط، في حين تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرة نووية وشراكة استراتيجية وثيقة مع الصين.
لكن ينبغي التمييز بين التشبيه التقني بمبدأ الدفاع الجماعي للناتو وبين وجود بنية مماثلة للناتو بالفعل؛ فالحلف الأطلسي يستند إلى عقود من التكامل في القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والتخطيط، بينما لا يزال الترتيب الثلاثي في بداية بناء مؤسساته. كما لا يعني وجود باكستان أن مظلتها النووية امتدت رسميًا إلى السعودية وتركيا، إذ لا تقدم النصوص المعلنة التزامًا نوويًا صريحًا، ولذلك تكمن القيمة الحالية بصورة أكبر في “الغموض الاستراتيجي” الذي يجعل أي خصم مضطرًا إلى إدخال مجمل قدرات الدول الثلاث في حساباته.
وتزداد أهمية الاتفاق مع بدء البحث في هياكل سياسية وعسكرية مشتركة تشمل التنسيق بين وزراء الدفاع والخارجية والقيادات العسكرية، والمناورات البرية والبحرية والجوية والسيبرانية، والتعاون في الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية. غير أن الانتقال من الإشارة السياسية إلى القدرة العملياتية يحتاج إلى تمويل مستدام، وتوافق في العقائد العسكرية، وبنية للقيادة والاتصالات واتخاذ القرار.
السعودية: تنويع مصادر الأمن
بالنسبة للسعودية فإنه يمكن قراءة سياسيتها ضمن مفهوم تنويع مصادر الأمن أو ما يعرف “التحوط الاستراتيجي” Strategic Hedging) وهو من المصطلحات المعتمدة في العلاقات الدولية لوصف سياسة دولة تحاول تجنّب الارتهان الكامل لقوة كبرى واحدةمن دون أن تقطع علاقتها بها أو تنتقل نهائيًا إلى معسكر مضاد، أي تنويع الشراكات والخيارات الأمنية والاقتصادية لتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على قوة واحدة من دون التخلي عن التحالفات القائمة. فالرياض لا تبدو في مسار استبدال الولايات المتحدة بتحالف آخر، بل تضيف طبقات جديدة إلى منظومتها الأمنية؛ فهي تحافظ على علاقتها الاستراتيجية بواشنطن، وتوسع تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان، وتعزز علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات سياسية مع إيران.
وبالتالي لا يمثل اتفاق مكة استقلالًا كاملًا عن المظلة الأميركية، بل محاولة لتقليل مخاطر الاعتماد الأحادي وزيادة هامش المناورة، ولذلك قد يكون التعبير الأدق عن المرحلة الجديدة ليس “ما بعد أميركا”، وإنما “ما بعد الاعتماد الحصري على أميركا”.
تركيا وباكستان: أدوار جديدة داخل شبكة أوسع
اما تركيا ودولة عضو في الناتو، فهي الاتفاق من موقع توسيع استقلالها الدفاعي وتطوير صناعاتها العسكرية وحضورها الإقليمي، وهو امر تسعى اليه انقرة منذ سنوات ولذلك تمثل مشاركتها محاولة للانتقال من موقع الحليف داخل ترتيبات قائمة إلى موقع الشريك في تصميم ترتيبات أمنية جديدة. كما أن المفاوضات بشأن انضمامها إلى الإطار السعودي-الباكستاني سبقت اتفاق آب، ما يعني أن الخطوة لم تكن استجابة مرتجلة للأحداث الأخيرة.
أما باكستان، فيمنحها الاتفاق دورًا يتجاوز التوازن التقليدي مع الهند وعلاقاتها بالصين وأفغانستان والولايات المتحدة، ويجعلها أكثر حضورًا في الأمن الشرق أوسطي. ولا يعني ذلك نقل مظلتها النووية إلى حلفائها، بل إضافة عنصر من الغموض إلى الردع وربط الخليج والأناضول وجنوب آسيا داخل شبكة واحدة، بما يمنح إسلام آباد وظيفة “قوة مفصلية” بين دوائر استراتيجية كانت تُدرس تاريخيًا بصورة منفصلة.
لماذا الآن؟ رغم استمرار الدور الأميركي
لا يعني الاتفاق أن الولايات المتحدة تنسحب من الشرق الأوسط، فهي ما تزال تمتلك حضورًا عسكريًا وشبكة واسعة من القواعد والشراكات، لكن الذي يتغير هو تصور الحلفاء لمدى كفاية هذا الدور واستمراريته واستعداد واشنطن لتحمل تكلفة كل أزمة إقليمية مستقبلية.
الحرب وأزمة هرمز واتساع التهديدات للطاقة والملاحة عززت لدى قوى إقليمية الاعتقاد بأن الأمن لا يمكن أن يعتمد حصريًا على تدخل خارجي في كل أزمة، ومن هنا يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه محاولة لبناء أدوات تسمح لدول المنطقة بإدارة جزء أكبر من أمنها بنفسها مع استمرار الشراكات الأميركية.
رغم تأكيد الأطراف أن الاتفاق دفاعي وغير موجه ضد دولة محددة، فإن أي ترتيب أمني بهذا الحجم سيؤثر بالضرورة في حسابات إيران وإسرائيل. فمن المنظور الإيراني، يمكن أن يضيف الاتفاق شبكة دفاعية جديدة إلى البيئة المحيطة بطهران، بينما يمكن لإسرائيل أن تنظر إليه بوصفه تعزيزًا لقدرة قوى إقليمية أخرى على صياغة ترتيبات أمنية لا تمر بالضرورة عبرها أو عبر الولايات المتحدة.
وكان الموقف الإيراني الرسمي أكثر حذرًا من بعض القراءات الإعلامية، إذ قال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إنه لا يرى سببًا لقلق إيران من الاتفاق، وقرأه باعتباره مؤشرًا إلى توجه دول المنطقة نحو الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية بدل الاعتماد الكامل على القوى الخارجية. ويمكن تفسير ذلك، تحليليًا، بوصفه شكلًا من الاحتواء الدبلوماسي؛ فطهران تستطيع الترحيب نظريًا باستقلال الأمن الإقليمي عن القوى الخارجية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن تحول الترتيب الثلاثي إلى قدرة عملياتية قد يفرض عليها حسابات جديدة.
الصين وقوة الاستقرار الاقتصادي
تبقى الصين حاضرة في خلفية المشهد لأن اعتمادها على طاقة الشرق الأوسط واتساع تجارتها مع المنطقة يجعلان استقرار الممرات البحرية مسألة حيوية لاقتصادها، وقد دفعت أزمة هرمز شركات شحن صينية إلى إعادة توزيع بعض ناقلاتها والبحث عن ترتيبات لوجستية بديلة.
وهذا يضيف بعدًا آخر إلى “قوة التعطيل”، لأن الضغط على الممرات البحرية لا يقود بالضرورة إلى مواجهة عسكرية، بل يمكن أن يدفع الدول والشركات إلى إعادة هندسة طرق التجارة والطاقة، بحيث لا يُقاس أثر الصراع فقط بما يدمره، وإنما أيضًا بالشبكات الاقتصادية الجديدة التي يولدها لتجنب الخطر.
وتختلف المصلحة الصينية جزئيًا عن الأميركية؛ فبكين تحتاج أساسًا إلى استمرار تدفق الطاقة والتجارة والقدرة على التعامل مع جميع الأطراف، ولذلك قد تفضل نظام توازنات يمنع الانهيار الشامل ويحافظ على حركة الأسواق، من دون أن يعني ذلك أنها تسعى بالضرورة إلى الحلول عسكريًا محل الولايات المتحدة.
شبكات متقاطعة أمنياً و إقتصادياً كأدوات للقوة والمرونة
إذا كانت العقود الماضية قد اتسمت بمحاور واضحة نسبيًا، فإن النظام الحالي يبدو أكثر ميلًا إلى الشبكات المتقاطعة؛ فالسعودية شريك للولايات المتحدة وتتوسع اقتصاديًا مع الصين وتتعاون دفاعيًا مع تركيا وباكستان وتتحاور مع إيران، وتركيا عضو في الناتو لكنها تطور سياسة دفاعية مستقلة، بينما ترتبط باكستان بالصين وتحافظ على قنوات مع واشنطن والخليج وتركيا.
المحور الصلب يتطلب ولاءً وحدودًا سياسية واضحة، بينما تعمل الشبكة من خلال تداخل المصالح وتعدد دوائر الانتماء، ولذلك قد تصبح قدرة الدولة على إدارة علاقات تبدو متناقضة جزءًا من قوتها الاستراتيجية بدل أن تكون دليلًا على غياب الاتجاه.
وفي الوقت نفسه، لم يعد هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط ملفات منفصلة، بل عقدًا في شبكة تربط الأمن القومي بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، بحيث يمكن لأزمة عند مضيق واحد أن تنتقل آثارها إلى النقل والتأمين والمصانع والأسواق في قارات أخرى.
لم يعد الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية السيبرانية مجرد ضحايا للحرب، بل أصبحت أدوات للصمود والردع؛ فالدولة التي تستطيع تنويع إمداداتها، وحماية بنيتها التحتية، وتأمين طرق تجارتها، وامتلاك احتياطيات ومصدات مالية قادرة على امتصاص الصدمات، تكون أكثر قدرة على الاستمرار في المواجهة من دولة قد تمتلك جيشًا قويًا لكنها تعتمد اقتصاديًا على عدد محدود من الممرات أو الموارد.
وتقدم أزمة هرمز مثالًا عمليًا على ذلك، إذ دفعت المخاطر الدول والشركات إلى البحث عن ترتيبات بديلة لنقل الطاقة وإعادة توزيع الناقلات، وهو ما يعني أن الدول لم تعد تتعامل مع أمن الطاقة من خلال حماية الممر الموجود فقط، بل من خلال محاولة بناء بدائل تقلل من أثر تعطيله. وهنا يتحول الاقتصاد من مجرد ضحية للصراع إلى أداة للتكيف والمرونة الاستراتيجية.
هل نحن أمام “ناتو إسلامي”؟
يبقى هذا الوصف غير دقيق؛ فالناتو يمتلك قيادة عسكرية متكاملة وبنية قيادة وسيطرة واتصالات واستخبارات مجربة منذ عقود، بينما لا يزال اتفاق مكة في أطواره المؤسسية الأولى، كما أن وصفه بـ”الإسلامي” يحمل إيحاءً أيديولوجيًا أو طائفيًا لا تؤكده النصوص المعلنة.
ولذلك يبدو الأدق وصفه بأنه “منصة ناشئة للدفاع الجماعي والردع المرن”، يمكن أن تتطور إلى بنية متكاملة إذا نجحت الدول الثلاث في بناء المؤسسات والقدرات المشتركة، أو أن تبقى إطارًا سياسيًا إذا لم تتحول التعهدات إلى قدرات تنفيذية.
ويزداد هذا السؤال أهمية مع احتمال انضمام دول أخرى، ومنها مصر، لأن التوسع يمكن أن يحول الترتيب من تكتل ثلاثي إلى نواة لهندسة أمنية تمتد من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه اختلاف المصالح والعقائد العسكرية ويجعل اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا.
هرمز كاختبار لهندسة التوازنات
تمثل أزمة هرمز اختبارًا عمليًا للترتيبات الدفاعية الجديدة، لأنها تضع الفارق بين البيان السياسي والقدرة العملياتية على المحك. ولن تُقاس أهمية اتفاق مكة على المدى الطويل بما ورد في نصوصه فقط، بل بقدرته الفعلية على حماية مصالح أعضائه إذا تعرضت الملاحة أو منشآت الطاقة أو البنية الاقتصادية لتهديد مباشر.
وحتى الآن لم يتحول الاتفاق إلى أداة جماعية مباشرة لإدارة أزمة هرمز، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى حداثته وعدم اكتمال مؤسساته، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن الاختبار الحقيقي لأي هندسة أمنية لا يأتي في لحظة التوقيع، بل عندما تضطر الدول إلى تحويل التضامن السياسي إلى قرار أمني أو عسكري أو اقتصادي ملموس.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التوازن الإقليمي
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل هذه الهندسة الأمنية. في السيناريو الأول، يتحول الاتفاق إلى جزء من توازن إقليمي مرن يمنع أي قوة، سواء كانت إيران أو إسرائيل أو تركيا أو غيرها، من الاعتقاد بأنها تستطيع فرض إرادتها منفردة، فتزداد كلفة الصدام ويتسع مجال التفاوض. وفي هذا النموذج لا ينشأ الاستقرار لأن الخلافات تختفي، بل لأن محاولة الحسم المنفرد تصبح أكثر تكلفة من إدارة الخلاف.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في انزلاق الترتيبات الجديدة إلى إعادة إنتاج المحاور وسباق تسلح أكثر حدة، فترد القوى المقابلة بتحالفات أعمق، وتدخل القدرات الصاروخية والسيبرانية والتكنولوجية والنووية بصورة أكبر في الحسابات الأمنية، بما يزيد احتمالات سوء التقدير ويحوّل الردع من وسيلة لمنع الحرب إلى أحد أسباب الاستعداد المستمر لها.
أما السيناريو الثالث، وربما الأكثر واقعية، فهو نشوء نظام أمني متعدد الدوائر، بحيث توجد ترتيبات مختلفة للدفاع المشترك والملاحة والطاقة والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية والحوار السياسي، وتشارك الدول في كل دائرة بدرجات متفاوتة وفق مصالحها. وفي هذا النموذج لا تحتاج الدولة إلى الانضمام الكامل إلى محور واحد، بل تستطيع التعاون مع شركاء مختلفين في ملفات مختلفة، وهو ما يبدو أكثر انسجامًا مع طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم.
من توازن السلاح إلى هندسة الاستقرار
ختاماً إن الخيط الذي يربط مكة بهرمز هو التحول في الطريقة التي تُفهم بها القوة في الشرق الأوسط؛ فالسلاح سيبقى أساسيًا، ولن تفقد القوة العسكرية أهميتها في منطقة لا تزال تعيش نزاعات مفتوحة ومخاطر أمنية مرتفعة، لكن امتلاك السلاح لم يعد كافيًا لضمان الأمن إذا لم يكن جزءًا من شبكة أوسع تضم الاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا والممرات البحرية والتحالفات والقدرة على امتصاص الصدمات.
إن اتفاق مكة يقدم نموذجًا أوليًا لهذا التحول بتركيبته المالية والعسكرية والتقنية، فيما يقدم هرمز دليلًا على أن قوة التعطيل والجغرافيا تستطيعان إرباك قوى تمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا، ولذلك لم تعد القوة الإقليمية قابلة للاختزال في عدد الطائرات والصواريخ، بل أصبحت تقاس أيضًا بقدرة الدولة على حماية شبكاتها، وإدارة علاقاتها، وتوزيع مخاطرها، والمحافظة على اقتصادها في زمن الأزمات.
ولن يُقاس نجاح التوازن الجديد بقدرة طرف على إلغاء خصمه، بل بقدرة الأطراف المختلفة على بناء ردع متبادل يجعل إطلاق النار أكثر كلفة وأقل جدوى، ويجعل التسوية وإدارة المصالح المتعارضة أكثر عقلانية من محاولة الحسم بالقوة.
وهنا تكمن الدلالة المشتركة بين مكة وهرمز؛ ففي الأولى تحاول الدول أن تضيف إلى قوتها الفردية قوة الشبكة، وفي الثانية تثبت الجغرافيا أن الطرف الذي لا يستطيع السيطرة على النظام قد يستطيع تعطيله، وبين النموذجين يتشكل تعريف جديد للقوة لا يلغي السلاح، لكنه يضعه داخل منظومة أوسع من الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والمصالح المتقاطعة.
ولذلك لا يبدو السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت القوة العسكرية ستفقد قيمتها، فهذا افتراض غير واقعي، وإنما ما إذا كانت دول المنطقة ستنجح في تحويل ما تملكه من قوة إلى ترتيبات تقلل الحاجة إلى استخدامها، بدل أن تجعل كل تحالف جديد مقدمة لتحالف مقابل، وكل أداة ردع جديدة سببًا لسباق تسلح إضافي.
فإذا نجحت القوى الإقليمية في بناء هذا النوع من التوازن، فقد يصبح اتفاق مكة وأزمة هرمز علامتين مبكرتين على ولادة بنية أمنية مختلفة، لا تقوم على غياب الصراع بل على تنظيمه، ولا تفترض اختفاء الخصوم بل تجعل كلفة إلغائهم أعلى من كلفة التعايش معهم، ولا تستبدل القوة بالدبلوماسية بل تجعل القوة نفسها جزءًا من هندسة سياسية واقتصادية تقلل احتمالات تحول كل خلاف إلى حرب وعندها فقط يمكن الحديث عن انتقال محتمل من توازن السلاح إلى هندسة الاستقرار.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

الأكثر شهرة

احدث التعليقات