محمد حسين عيسى
ما إن تطأ خطوات المرء معرض الكتاب، حتى يخالجه شعورًا مختلفًا بأنّه ثمّة أمر غريب يحدث في المدينة. هنا، لا تتسابق السيارات على الطرقات، ولا تشتّت الشاشات انتباه العابرين، ولا تُقاس قيمة اللحظة بسرعة الخبر الذي يليها. هنا، ثمة من يتوقّف طويلًا أمام عنوان، ومن يطوي صفحات كتابٍ مبعثرة باحثًا بين سطوره عن إجابة مؤجّلة، ومن يسير بين الأجنحة متأمّلًا عناوينَ تحتضن داخلها عوالمَ لم يكتشفها بعد.
للورق سحره الخاص؛ تلك الرّائحة التي ينتشي بها القارئ ليست مجرّد عطر الورق والحبر بل هي بوّابة إلى عالمٍ أعمق من الزّمن، وصوت الصّفحات حين تُقلَب وكأنّها تتهامس أحاديث السّمر ، والعناوين التي ترتقي فوق الرّفوف كأنّها أفكار تتحاور في صمت. وفي مكانٍ كهذا، لا يعود الكتاب مجرّد سلعة معروضة للبيع، بل يصبح دعوة إلى التأمّل، ونافذة على حياة أخرى، وفرصة للإنسان كي يهرب بعيدًا عن ضجيج يومه وضوضاء حياته، ويعود إلى نفسه.
في بيروت، لهذا المشهد معنى يتجاوز حدود المعرض. فهذه المدينة التي اعتادت أن تكون منبرًا للكلمة، وملتقى للمفكّرين والأدباء، وواحدة من أبرز عواصم النّشر والصّحافة في العالم العربيّ، لا يمكن النّظر إلى عودتها الثّقافية باعتبارها مناسبة موسميّة عابرة. إنّها عودة إلى جزء أصيل من هويّتها، وإلى دور صنعته المطابع ودور النّشر والصّحف والكتب، حين كانت بيروت تفتح أبوابها للأفكار، وتمنح الكلمة أجنحة تحلّق بها في فضاء العالم العربيّ.
في الدّورة السّابعة والسّتين من معرض بيروت العربيّ الدوليّ للكتاب، الممتدة من 9 إلى 18 تشرين الأول 2026، تلتقي 163 دار نشر لبنانيّة وعربيّة على الواجهة البحريّة للعاصمة، في مساحة تستعيد فيها بيروت شيئًا من حيويّتها الثّقافيّة. كما يشهد المعرض برنامجًا متنوعًا من النّدوات والمحاضرات واللّقاءات الأدبيّة، إلى جانب الأنشطة المخصّصة للأطفال، بما يجعل الكتاب مدخلًا إلى حوار أوسع بين الأجيال والاتجاهات الفكريّة المختلفة.
لكن الأهم من الأرقام هو ما يمكن أن يحدث بين إنسان وكتاب. قد يدخل شاب إلى المعرض بحثًا عن رواية، فيخرج بسؤالٍ عن التّاريخ. وقد تأتي عائلة لمجرّد تمضية بعض الوقت، فيكتشف طفل بين الرّفوف أنّ العالم أكبر بكثير مما تقدّمه له شاشة الهاتف. وقد يعثر قارئ على كتاب يغيّر نظرته حول قضيّة ظلّ يحمل عنها أفكارًا لم يراجعها يومًا. وهكذا تبدأ الثّقافة: لا بضجيج الشّعارات، بل بلحظة فضول، وسؤال صادق، وصفحة تفتح بابًا لم يكن ظاهرًا من قبل.
غير أنّ الاحتفاء بالكتاب يفرض علينا أيضًا أن نتحدّث عن ثمنه. ففي بلد يرزح مواطنوه تحت أعباء معيشيّة ثقيلة، لا يمكن تجاهل تفاوت قدرات النّاس على شراء الكتب، مهما كانت رغبتهم في القراءة. ومن هنا، تصبح المبادرات التي تخفّض الأسعار، وتتيح إصدارات تناسب الطّلاب والشّباب ومحدوديّ الدّخل، جزءًا من الرّسالة الثّقافيّة نفسها. فالكتاب الذي يبقى بعيدًا عن متناول القارئ لا يستطيع أن يؤدي كامل دوره، والثّقافة التي نريدها ليست امتيازًا لمن تسمح لهم ظروفهم الماديّة بذلك، بل حقّ ينبغي أن تتوافر له أبواب الوصول.
إنّ بيروت لا تحتاج إلى أن تتغنّى بماضيها بقدر ما تحتاج إلى أن تستأنف دورها. فلا يكفي أن نستذكر زمن المطابع التي حملت الفكر العربي، إذا كانت القراءة تتراجع في حياتنا اليوميّة، وإذا بقيت المكتبات العامّة والمبادرات الثّقافيّة خارج أولويّاتنا. لذا المطلوب هنا أن يتحوّل المعرض إلى بداية لمسار مستمر، وأن تمتدّ الثّقافة من أجنحته إلى المدارس والجامعات والأحياء والبيوت، وأن تصبح القراءة عادة اجتماعيّة، لا نشاطًا عابرًا في مناسبة سنويّة.
فالأوطان لا تنهض بالعمران وحده، ولا تُقاس حيويّتها بما تشيّده من مبانٍ وطرقات، بل بما تغرسه في عقول أبنائها من وعي، وما تتيحه لهم من معرفة، وما تمنحهم إياه من قدرة على التّفكير والاختلاف والحوار.
وربما كانت أجمل صورة يمكن أن نخرج بها من معرض الكتاب ليست صورة الأجنحة المكتظّة، ولا كثرة العناوين المعروضة، بل صورة إنسان يحمل كتابًا بين يديه، مغادرًا المكان وفي داخله فكرة نيّرة جديدة.
تلك هي بيروت التي نريدها؛ مدينة لا تكتفي بأن تتذكّر أنّها كانت مطبعة الشّرق، بل تعمل كي تبقى منارة للمعرفة، وبيتًا للكلمة، وحضنًا للحوار، ومساحة يلتقي فيها اللّبنانيون حول ما يقرأون، لا حول ما يفرّقهم ويَتنازعون .
صفحات الكتب ليست مجرد ورق؛ بل هي أرض خصبة تمنحنا فرصة للتّأمّل، للغوص واكتشاف المعرفة، ولاستعادة الأشياء التي فقدناها بين السّنين .
فحين تعود بيروت إلى الكتاب، لا تستعيد رفوفًا امتلأت بالحبر والورق فحسب؛ إنّها تستعيد فرصة أن تفكّر، وأن تتحاور، وأن تنهض من جديد.