مقالات خاصةمن يملك القوة؟ صراع الموارد والممرات والشبكات في النظام الدولي

من يملك القوة؟ صراع الموارد والممرات والشبكات في النظام الدولي

من امتلاك الموارد إلى ضمان تدفقها: الأمن التشغيلي بوصفه معيارًا للقوة الدولية

د. علي عيسى – باحث متخصص في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي

في ليل 11 إلى 12 تشرين الأول 2026، لم يحتج مهاجمون إلى تدمير مستودعات الأغذية أو قطع الكهرباء لإلحاق خسائر واسعة بمتاجر فرنسية. كانت البرادات تعمل، والأنظمة متصلة، لكن التلاعب الإلكتروني بوحدات التحكم بالتبريد أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة وتلف كميات كبيرة من المواد الغذائية. وطالت الهجمات متاجر تابعة لسلاسل تجارية متنافسة، بينها إنترمارشيه وكوبيراتيف يو وكارفور ومونوبري ولوكلير. وما جمع هذه المؤسسات لم يكن ملكيتها أو إدارتها، بل اعتمادها على تجهيزات تقنية متشابهة كشفت عن هشاشة مشتركة.

تختصر هذه الواقعة تحولًا عميقًا في العلاقة بين الاقتصاد والقوة اذ ان القوة الدولية لم تعد تُقاس بحجم الموارد والقدرات العسكرية وحدها، بل بقدرة الدول على ضمان استمرار التدفقات الحيوية عبر شبكات الإنتاج والنقل والتكنولوجيا والتمويل، واستعادة وظائفها عند التعطّل. وفي هذا التحول تتسع المسافة بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها.

يمكن تسمية هذه القدرة “الأمن التشغيلي”، أي قدرة الدولة واقتصادها على المحافظة على الوظائف الحيوية تحت الضغط، وامتصاص الصدمات، وإعادة التشغيل بعد الانقطاع. وهو مفهوم لا يلغي الأمن العسكري أو الاقتصادي، بل يربطهما بسؤال الاستمرار: كم تستطيع الدولة الصمود إذا تعطلت إحدى الشبكات التي يقوم عليها اقتصادها؟

ثلاثة أبعاد للقوة

لفهم هذا التحول، ينبغي التمييز بين ثلاثة أبعاد مترابطة.

أولها القوة المادية، القائمة على الموارد والقدرات الإنتاجية والعسكرية. وثانيها القوة البنيوية، أي القدرة على التأثير في الشروط التي تعمل ضمنها الأسواق والشبكات الدولية.

وقد تناول هنري فاريل وأبراهام نيومان هذه المسألة في دراستهما عن “الاعتماد المتبادل المُسلَّح”، المنشورة عام 2019 في مجلة International Security. فالدول المؤثرة في العقد المركزية للشبكات المالية والمعلوماتية تستطيع تحويل موقعها إلى أداة إكراه، عبر مراقبة التدفقات أو تقييد وصول الآخرين إليها.

أما البعد الثالث فهو القدرة على التعطيل، حين يتمكن فاعل محدود الموارد من إحداث خسائر واسعة في شبكات لا يسيطر عليها. فقد تستطيع جماعة مسلحة تهديد ممر بحري من دون امتلاك أسطول كبير، أو شبكة إلكترونية تعطيل منشآت حيوية من دون السيطرة على بنيتها التحتية.

الخليج: حين يتجاوز الهدفُ المنشأة

في 13 تشرين الأول، أعلنت وزارة الطاقة السعودية اندلاع حريق محدود في مبنى إداري تابع لأرامكو في المنطقة الشرقية، نتيجة استهداف وقع في سياق تصاعد المواجهة مع الحوثيين. ولم تُسجّل إصابات.

تكمن خطورة الحادثة في الأسئلة التي تثيرها حول البنية غير المرئية لصناعة الطاقة. فالنفط ليس آبارًا ومصافي وأنابيب فحسب، بل منظومة من الاتصالات والتحكم والصيانة والتعاقد والتمويل والتأمين.

البحر الأسود: الإنتاج لا يكتمل من دون الوصول

في السادس من تشرين الأول، تعرضت سفينتان تجاريتان لهجوم بمسيّرات داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود. وغرقت السفينة “ألفا وطن”، بينما أصيبت السفينة “أَيْبل” وأُنقذ أفراد طاقمها.

تكمن الدلالة الاستراتيجية في انتقال المخاطر إلى مجال بحري لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي، بعيدًا عن مناطق الاشتباك المباشر بين روسيا وأوكرانيا.

فالضرر الذي يصيب سفينة لا ينتهي عند خسارة الحمولة. إنه يدخل في حسابات شركات الشحن والتأمين والمصارف، ويؤثر في تكلفة النقل ومواعيد التسليم والمسارات التجارية.

وقد ترتفع تكلفة وصول القمح إلى الأسواق من دون أن تتراجع قدرات إنتاجه. وهنا يصبح الوصول إلى السوق عنصرًا من عناصر القوة، لا مجرد خدمة لوجستية. فالدولة المنتجة لا تستفيد كاملًا من مواردها ما لم تستطع إيصالها إلى المستهلك بشروط قابلة للاستمرار.

فرنسا: هشاشة الاقتصاد الرقمي

تكشف الهجمات على أنظمة التبريد الفرنسية وجهًا مختلفًا للمشكلة. فقد أظهرت المعلومات الأولية وجود ثغرات أمنية في تجهيزات تحكم عن بُعد تستخدمها متاجر عديدة، بينها أنظمة من إنتاج دانفوس، فيما ظهرت تقارير عن استهداف تجهيزات أخرى.

ولم تُحسم هوية المنفذين أو تفاصيل الاختراقات جميعها، لكن الدلالة واضحة: لم يعد الأمن السيبراني مسألة معلوماتية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح شرطًا لاستمرار الإنتاج والخدمات.

التعطيل بوصفه رافعة تفاوضية

قد يستطيع الطرف الأضعف فرض تكلفة مرتفعة على الطرف الأقوى، من دون أن يمتلك القدرة على التحكم بالنظام الذي يهاجمه. لكن التعطيل قد يتحول، في ظروف محددة، إلى نفوذ تفاوضي.

ففي البحر الأسود، ساعدت الهجمات الأوكرانية بالمسيّرات البحرية على تقليص حرية حركة الأسطول الروسي، وتهيئة الظروف لتشغيل ممر تصدير أوكراني بديل بعد انسحاب موسكو من اتفاق الحبوب عام 2023.

وفي البحر الأحمر، دفعت هجمات الحوثيين شركات شحن إلى تحويل سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، بما زاد المسافات والتكاليف. ولم يحتج ذلك إلى إغلاق رسمي لباب المندب.

وتجاوز الأثر الجانب الاقتصادي عندما أعلنت سلطنة عُمان في أيار 2025 التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والسلطات في صنعاء.

لا تعني هذه الوقائع أن الحوثيين أصبحوا قادرين على إدارة التجارة الدولية، أو أن أوكرانيا فرضت سيطرة بحرية كاملة. لكنها تكشف أن القدرة على التعطيل قد تمنح فاعلًا محدود الموارد نفوذًا سياسيًا يفوق وزنه التقليدي.

وهنا ينبغي التمييز بين التأثير المؤقت في النظام والقدرة المستدامة على إعادة تنظيمه.

التمويل: القوة التي لا تُرى

وراء كل شحنة نفط أو غذاء، وكل مصنع يعمل للأسواق الدولية، شبكة من الائتمان والتأمين والمدفوعات والتسويات المصرفية.

قد تمتلك دولة موارد ضخمة، لكنها تواجه صعوبات في تحويلها إلى إيرادات إذا فُرضت قيود على قنوات الدفع أو النقل أو التأمين. وقد يتوقف مصنع عن الإنتاج بسبب صعوبة تمويل استيراد مكوّن أساسي، لا بسبب غياب ذلك المكوّن عالميًا.

هنا تعمل القوة البنيوية بعيدًا عن المعارك المباشرة. فالدول المؤثرة في الشبكات المالية والتكنولوجية تستطيع تحديد شروط وصول الآخرين إلى الأسواق.

لكن الإفراط في استخدام هذه القدرة قد يدفع الدول المستهدفة إلى تطوير قنوات دفع بديلة وتسويات بعملات محلية وشبكات تجارية موازية.

ولا يعني ذلك تراجع النظام القائم فورًا، لكنه يكشف تحول المنافسة من صراع على استخدام الشبكات الموجودة إلى صراع على بناء بدائل تخفف الاعتماد عليها.

من يدفع ثمن المرونة؟

تعيدنا الحالة الفرنسية إلى معضلة أساسية في الاقتصاد السياسي: لماذا لا تستثمر الشركات والدول بما يكفي في منع الأعطال قبل وقوعها؟

فالشركة التي تحدّث أنظمتها، أو تحتفظ بمخزون احتياطي، أو تعتمد موردًا إضافيًا، تتحمل التكلفة فورًا. أما المنفعة فقد لا تظهر إلا عند الأزمة.

لكن خسائر التعطل تتجاوز المؤسسة نفسها لتصيب الموردين والمستهلكين وشبكات الإمداد. وهنا تظهر حدود حسابات السوق الخاصة، التي قد لا تعكس كامل المنفعة الاجتماعية لاستمرار الخدمات الحيوية.

من هنا تأتي مسؤولية الدولة في وضع معايير الحماية، وتنسيق الاستثمار في البنية التحتية الحرجة، وتحديد مستويات الاحتياط المناسبة.

غير أن المرونة ليست مجانية. فهي تتطلب موارد واستثمارات قد تكون لها استخدامات بديلة. ومع ذلك، فإن تحديث الأنظمة وتنويع الموردين قد يرفعان الإنتاجية أيضًا، بدل أن يكونا مجرد تكلفة إضافية.

ولذلك فإن المفاضلة بين الكفاءة والمرونة ليست تقنية فحسب، بل قرار سياسي يحدد من يتحمل تكلفة الحماية ومن يدفع ثمن الإخفاق.

القوى الكبرى: من يستطيع الاستمرار؟

تتجسد هذه المعادلة في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

فالولايات المتحدة تستند إلى تفوقها المالي والتكنولوجي وموقع شركاتها في سلاسل أشباه الموصلات والبرمجيات المتقدمة. وقد استخدمت ضوابط التصدير لتقييد وصول الصين إلى تقنيات حساسة.

أما الصين، فتملك قاعدة صناعية واسعة وموقعًا بالغ الأهمية في معالجة المعادن الأرضية النادرة وإنتاج مكونات استراتيجية. وقد أظهرت قيودها التصديرية كيف يمكن التحكم في مراحل المعالجة أن يتحول إلى ورقة ضغط.

وتقف أوروبا أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فهي قوة اقتصادية وصناعية وتنظيمية كبرى، لكنها تواجه اعتمادًا خارجيًا في قطاعات حيوية، وتسعى إلى تقليصه عبر تنويع الموردين والاستثمار في المواد الخام والتكنولوجيا.

غير أن أيًا من القوى الثلاث لا يمتلك أمنًا تشغيليًا كاملًا. فالصين تواجه قيودًا تكنولوجية، والولايات المتحدة تحتاج إلى تعزيز قدراتها الصناعية الاحتياطية، وأوروبا تحاول تحويل قوتها التنظيمية إلى قدرة إنتاجية أكثر استقلالًا.

وهذا يعني أن حجم الناتج المحلي أو الإنفاق العسكري أو الاحتياطيات لا يكفي منفردًا لقياس القوة. فالدولة الأقوى ليست بالضرورة الأقل تعرضًا للصدمات.

والاستنتاج الأرجح أن العالم لا يتجه إلى نهاية العولمة بقدر ما يتجه إلى إعادة هندستها، من البحث عن أدنى تكلفة إنتاج إلى الموازنة بين الكفاءة والموثوقية والأمن الاقتصادي.

الخاتمة: ثمن القوة يُدفع مسبقًا

لا تثبت أحداث تشرين الأول وجود حرب منسقة على الاقتصاد العالمي، لكنها تكشف هشاشة مشتركة في نظام شديد الترابط. فقد تضررت متاجر فرنسية عبر أنظمة تقنية، وامتدت المخاطر البحرية إلى المنطقة الاقتصادية لدولة أطلسية، وأعاد استهداف منشأة إدارية سعودية طرح مسألة حماية الوظائف الحيوية لصناعة الطاقة.

لم تفقد الجغرافيا والموارد والقوة العسكرية أهميتها، لكن قيمتها أصبحت أكثر ارتباطًا بالقدرة على تشغيلها وحمايتها وضمان وصولها إلى الأسواق.

وفي هذا النظام يستطيع الطرف الأضعف فرض تكاليف على الأقوى، لكنه لا يتحول إلى قوة بنيوية لمجرد امتلاكه وسيلة للتعطيل. فالقدرة على إحداث أزمة تختلف عن القدرة على ضمان الاستقرار بعدها.

لذلك قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية في موازين القوة الدولية من يمتلك الموارد والممرات والشبكات، بل من يستطيع المحافظة على وظائفها عندما تتعرض للانقطاع.

فالقوة لا تُقاس فقط بما تستطيع الدولة تعبئته عند اندلاع الأزمة، بل بما استثمرته قبلها كي لا يتوقف اقتصادها عند الضربة الأولى.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

الأكثر شهرة

احدث التعليقات