محمّد حسين عيسى – ليبانون تايمز
ربما كانت الحرب، بكل قسوتها، أكثر صراحة من السياسة. ففي اللحظة التي اشتعلت فيها الجبهات واضطر آلاف اللبنانيين إلى ترك بيوتهم، سقطت كثير من الحواجز التي احتاجت السياسة إلى سنوات كي تبنيها. لم يعد السؤال يومها من أي طائفة أنت، ولا لأي حزب تنتمي، ولا ما موقفك السياسي؛ كان السؤال أبسط من كل ذلك: أين ستنام الليلة؟ ومن سيفتح لك بابه؟
حسين، الذي اضطر إلى مغادرة منزله، وجد نفسه في البترون، في بيت عائلة مسيحية استقبلته كما يُستقبل إنسان خائف يبحث عن الأمان. وعدنان وجد طريقه إلى طرابلس، حيث احتضنته عائلة سنية، من دون أن تسأل أولًا عن انتمائه أو خياراته. ويوسف وعائلته اتجهوا إلى بحمدون، فوجدوا عند الدروز بيتًا مفتوحًا وقلوبًا لم تتسع للحسابات الطائفية بقدر ما اتسعت لفكرة أن هناك عائلة لبنانية تحتاج إلى الأمان.
هذه المشاهد ليست استثناءً نادرًا في لبنان، بل هي واحدة من أكثر الحقائق التي تكشف معدن هذا البلد عندما تسقط عنه طبقات السياسة والخطاب التحريضي. فاللبناني العادي، عندما يُترك بعيدًا عن ضجيج السياسيين، يعرف بفطرته أن الخائف أمامه إنسان قبل أن يكون ابن طائفة، وأن الجار الذي يطرق بابه طالبًا الأمان ليس خصمًا سياسيًا، بل لبناني يشبهه في خوفه وحاجته إلى النجاة.
المشكلة تبدأ عندما يعود بعض المتاجرين بالطوائف إلى المشهد، فيحاولون إعادة بناء الجدران التي هدمتها الحرب خلال ساعات. هناك من لا يجد طريقًا إلى جمهوره إلا عبر تخويفه من الآخر، ومن لا يستطيع أن يحشد الناس حول فكرة أو مشروع، فيحشدهم حول الخوف من طائفة أخرى. وهكذا يتحول الاختلاف السياسي الطبيعي إلى خصومة طائفية، ويتحول خطاب أقلية غاضبة أو متطرفة إلى صورة يُراد إلصاقها بطائفة كاملة.
وهذا تحديدًا ما يجب أن نرفضه. لا يجوز أن نحاكم طائفة بأكملها بسبب خطاب كراهية صدر عن أفراد منها، كما لا يجوز أن نسمح لأصوات متطرفة، مهما ارتفع ضجيجها، بأن تتحدث باسم مئات الآلاف من اللبنانيين الذين عاشوا معًا، وتشاركوا الخبز والبيوت والمصائب والحروب، وفتح بعضهم أبواب منازله لبعضهم الآخر عندما ضاقت البلاد بأهلها.
ولبنان، في هذه المرحلة الحساسة، لا يحتمل أن يصنع لنفسه أعداء من داخله. لدينا عدو حقيقي اسمه إسرائيل، ولدينا تاريخ طويل من الحروب والاحتلال والاعتداءات والتوترات التي جعلت هذا البلد يدفع أثمانًا باهظة. ومن لديه عدو بهذا الحجم، لا يحتاج إلى أن يحوّل جاره إلى عدو آخر لمجرد أنه ينتمي إلى طائفة مختلفة أو يحمل موقفًا سياسيًا مغايرًا. الاختلاف حق، والسياسة حق، والنقد حق، لكن تحويل اللبناني إلى خصم دائم لمجرد هويته الطائفية هو انتحار بطيء لفكرة الوطن.
وليس المطلوب أن نتفق جميعًا في السياسة حتى نعيش معًا. لبنان بطبيعته بلد مختلف، ومتعدد، ومليء بالتجارب والذاكرة والجراح. المطلوب فقط أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نكره، وكيف ننتقد من دون أن نعمّم، وكيف نعارض حزبًا أو جهة سياسية من دون أن نحمل موقفنا على طائفة بأكملها.
وفي مثل هذه المرحلة، نحتاج إلى استعادة أصوات لبنانية عرفت كيف تتجاوز حدود الطائفة من دون أن تنكرها، وكيف تخاطب أبناء طوائفها من دون أن تجعل من الآخرين أعداء. نحتاج إلى روح الإمام موسى الصدر، الذي ارتبط اسمه بفكرة لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، وإلى فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وإلى المواقف الوطنية للمفتي حسن خالد، وإلى الدور التاريخي للبطريرك إلياس الحويك، وسائر الشخصيات التي فهمت أن حماية الجماعة لا تكون بإلغاء الآخرين، وأن قوة الطائفة لا تحتاج إلى كراهية الطوائف الأخرى.
المطلوب اليوم ليس خطبًا إضافية عن الوحدة الوطنية، فقد سمع اللبنانيون ما يكفي من الخطب. المطلوب أن يتقدم المثقفون والكتّاب ورجال الدين والإعلاميون وأصحاب الرأي إلى الواجهة، وأن يرفعوا صوتهم في وجه خطاب الكراهية والتحريض والغباء الطائفي. المطلوب أن نقول بوضوح إن من يزرع العداوة بين اللبنانيين، أيًا كانت طائفته وموقعه، لا يخدم طائفته ولا يحمي وطنه، بل يترك البلد أضعف وأكثر قابلية للانقسام.
لقد أثبت اللبنانيون في أصعب اللحظات أنهم قادرون على فعل شيء تعجز عنه السياسة أحيانًا: أن ينسوا أسماء الطوائف عندما يحتاج إنسان إلى بيت، وأن يفتحوا أبوابهم لمن لا يشبههم، وأن يثبتوا أن ما يجمعهم أعمق بكثير مما يحاول البعض أن يزرعه بينهم.
ربما حان الوقت لأن نتعلم من هؤلاء اللبنانيين العاديين، لا من أولئك الذين جعلوا من الانقسام مهنة. فالوطن لا يحميه فقط السلاح والحدود والمؤسسات، بل تحميه أيضًا قدرة أبنائه على ألا يتحولوا إلى أعداء لبعضهم البعض.
وفي بلد يعرف جيدًا معنى الحرب، ربما يكون أول انتصار حقيقي لنا أن نرفض أن نورّث أبناءنا كراهية لم يرثوا معها أي ذنب.
فإذا كان اللبناني، في لحظة الخوف، قادرًا على أن يرى في الآخر إنسانًا قبل أن يرى فيه طائفة، فلماذا نعجز عن أن نراه كذلك في زمن السلم؟