د. علي عيسى
باحث في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي
في الصراعات الإقليمية والدولية المعاصرة، لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق جغرافية (Chokepoint)، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة والردع في الخليج. فالأزمة الراهنة لا تتعلق بحرية مرور الناقلات وحدها، بل بصراع أوسع على الأمن والنفوذ وكلفة استخدام القوة في الشرق الأوسط.
تقدم واشنطن عملياتها وضغوطها على إيران باعتبارها جزءًا من استراتيجية تستهدف تقليص التهديدات الإيرانية وحماية المصالح الأميركية وحلفائها وحرية الملاحة، فيما تنظر طهران إلى العمليات العسكرية والعقوبات والحصار باعتبارها ضغطًا على أمنها وسيادتها وقدرتها الاقتصادية، وتستفيد من موقعها الجغرافي وقدراتها في الخليج لتعزيز قدرتها على الردع، وبين الطرفين، تواجه دول الخليج والدول المستوردة للطاقة معادلة مختلفة: كيف يمكن حماية تدفق النفط والغاز ومنع تحول الصراع إلى حرب طويلة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي؟
لكن حين نتحدث عن هرمز، تتجه الأنظار عادة إلى الناقلات والأساطيل وحقول النفط. غير أن الأزمة تكشف عن مضيق آخر لا يظهر على الخرائط: مضيق مالي يمكن أن تنتهي تداعياته عند سعر الفائدة وكلفة الدين.
اذ تبدأ الرحلة من ناقلة تتردد في العبور، فترتفع كلفة التأمين والشحن وتضاف إلى النفط «علاوة مخاطر». وإذا استمرت الأزمة، تنتقل الكلفة إلى النقل والإنتاج والأسعار، ثم إلى التضخم وتوقعاته وحسابات البنوك المركزية، قبل أن تظهر آثارها في عوائد السندات والدولار وكلفة خدمة الدين.
وهكذا يمكن لقرار عسكري أو اضطراب بحري في الخليج أن يؤثر، عبر سلسلة طويلة من التفاعلات، في كلفة اقتراض دولة أفريقية أو مصنع أوروبي أو عملة آسيوية أو اقتصاد هش مثل الاقتصاد اللبناني.
وهذه العلاقة ليست آلية، ولا يعني ذلك أن هرمز يحدد سعر الفائدة العالمي، لكنه يستطيع أن يصبح أحد المتغيرات الجيوسياسية الداخلة في آلية تسعير المال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية: لم تعد الجغرافيا تحدد فقط أين تمر التجارة، بل يمكنها أيضًا التأثير في السعر الذي يدفعه العالم للحصول على المال نفسه.
حين تتحول الجغرافيا إلى سعر
تكمن أهمية هرمز في اعتماد جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية على ممر بحري بالغ الضيق. لذلك لا يحتاج المضيق إلى إغلاق كامل حتى تبدأ التداعيات؛ يكفي ارتفاع احتمال التعطيل.
فشركة التأمين لا تنتظر إغلاقه رسميًا حتى تعيد تسعير المخاطر، وشركة الشحن لا تنتظر إصابة ناقلة حتى تعيد النظر في مسارها، والمتداول في سوق النفط لا ينتظر اختفاء البراميل فعليًا قبل إضافة علاوة جيوسياسية إلى السعر، وهكذا تتحول المخاطرة المتوقعة إلى كلفة فعلية قبل وقوع السيناريو الأسوأ، كما تستطيع الأسواق التحرك لمجرد ظهور مؤشرات إلى احتمال التهدئة أو تحسن الإمدادات، حتى قبل أن يتغير الواقع الميداني للملاحة. فالنفط يتحرك على أساس توقع ما سيحدث في هرمز، وليس فقط ما حدث بالفعل، بهذا المعنى، لم يعد هرمز ممرًا للنفط فحسب، بل أصبح أيضًا ممرًا للتوقعات والاحداث الاقتصادية الكبرى.
من الحرب إلى التضخم
لا يمكن فصل الاقتصاد عن الحرب. فالاضطراب في هرمز ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة مواجهة سياسية وعسكرية أوسع. لكن السؤال الاقتصادي الأهم لا يقتصر على تحديد المسؤولية، بل يتعلق بكيفية إنتاج استراتيجيات الأطراف المتنافسة كلفة تتحمل جزءًا منها دول لم تشارك أصلًا في قرار الحرب.
فالولايات المتحدة تستطيع استخدام تفوقها العسكري والمالي لزيادة الضغط على إيران، فيما تستطيع إيران استخدام موقعها الجغرافي وقدراتها في الخليج لرفع كلفة الضغط عليها. إلا أن ترابط الاقتصاد العالمي يجعل من الصعب إبقاء هذه الكلفة محصورة بين الطرفين.
ومن هنا تبدأ رحلة هرمز خارج هرمز، فالنفط ليس سلعة معزولة؛ الطاقة تدخل في النقل والشحن والطيران والصناعة والزراعة والأسمدة والكهرباء وسلاسل التوريد. وإذا كان ارتفاع أسعارها قصيرًا، تستطيع السياسة النقدية التعامل معه باعتباره صدمة مؤقتة. أما إذا استمر، فقد تبدأ بما يعرف بتأثيرات الجولة الثانية (Second-round effects).
عندها قد ترتفع مطالب الأجور لتعويض تراجع القوة الشرائية، وتزيد الشركات أسعارها تحسبًا لاستمرار التكاليف، فيما تعيد الأسر والأسواق النظر في توقعاتها للتضخم. وهكذا تبدأ الصدمة الخارجية في إنتاج ديناميكية تضخمية داخل الاقتصاد.
وقد خلص بنك التسويات الدولية في دراسة صدرت في آب 2026 إلى أن انتقال صدمات الطاقة إلى التضخم يتوقف على عوامل بنيوية وعلى الظروف الاقتصادية السائدة عند وقوع الصدمة، وأن الانتقال يمكن أن يكون مباشرًا عبر تكاليف الطاقة والإنتاج، أو غير مباشر عبر تأثيرات الجولة الثانية.
هنا تظهر أولى حلقات «المضيق المالي». فما يبدأ اضطرابًا جيوسياسيًا في الخليج يمكن أن يتحول إلى علاوة مخاطر على الطاقة، ومنها إلى تكاليف الإنتاج والأسعار، ليصبح التضخم القناة التي تنتقل عبرها الأزمة من الجغرافيا إلى الاقتصاد الكلي.
حين يصل هرمز إلى البنك المركزي
عند هذه النقطة تصل الحرب إلى مكان يخلو تمامًا من الناقلات والصواريخ: اجتماع البنك المركزي، إن رفع الفائدة لن يفتح مضيق هرمز، ولن ينتج برميل نفط إضافيًا، ولن يخفض كلفة التأمين البحري. وهنا تظهر المعضلة التقليدية لصدمات العرض: التشديد النقدي المفرط قد يضعف اقتصادًا يعاني أصلًا من ارتفاع كلفة الطاقة، لكن تجاهل الصدمة إذا استمرت قد يسمح للتضخم بالترسخ في الأسعار والأجور والتوقعات.
لذلك لا يرفع البنك المركزي سعر الفائدة لمجرد ارتفاع النفط، بل يراقب مدة الصدمة ومدى انتقالها إلى التضخم الأساسي والأجور وتوقعات الأسر والشركات والأسواق، ويوازن بين خطر ترسخ التضخم وخطر إضعاف النمو.
ومن هنا لا توجد علاقة سببية مباشرة بين اضطراب هرمز ورفع أسعار الفائدة. العلاقة أكثر تعقيدًا: هرمز لا يحدد سعر الفائدة، لكنه يستطيع، إذا كانت الصدمة كبيرة ومستدامة، تغيير البيئة الاقتصادية التي يُتخذ فيها قرار الفائدة، وهذا هو الانتقال الحقيقي من جغرافيا الطاقة إلى تسعير المال.
من الفائدة إلى السندات والدين
بالنسبة إلى الحكومات، تبدأ الحلقة الأخطر عندما تنتقل توقعات الفائدة إلى سوق السندات. فإذا اعتقد المستثمرون أن التضخم سيبقى مرتفعًا وأن البنوك المركزية ستبقي الفائدة مرتفعة مدة أطول، يعاد تسعير السندات وترتفع كلفة الاقتراض على الدول التي تحتاج إلى إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل ديون قائمة، وهنا تتحول أزمة هرمز إلى قضية مالية سيادية.
وتقدم أبحاث صندوق النقد الدولي دليلًا مهمًا على عدم تكافؤ هذه الصدمة. فقد وجد تحليل لموظفي الصندوق أن صدمة عرض نفطي بمقدار انحراف معياري واحد ترتبط بارتفاع فروق العائد السيادي للدول الناشئة المستوردة للنفط بنحو 40 إلى 50 نقطة أساس خلال عدة فصول، بينما لم يظهر تأثير مماثل ذو دلالة إحصائية لدى الاقتصادات الناشئة المصدرة للنفط.
ولا يعني ذلك أن كل صدمة نفطية ستنتج النتيجة نفسها، لكنه يكشف حقيقة أساسية: الدول لا تدفع ثمن هرمز بالتساوي، فالدولة المصدرة للطاقة قد تستفيد من ارتفاع الأسعار، والاقتصاد المتقدم صاحب العملة القوية والأسواق العميقة يستطيع عادة امتصاص جزء أكبر من الصدمة. أما الدولة الناشئة المستوردة للطاقة والمثقلة بالدين وذات الاحتياطيات المحدودة، فتواجه ارتفاع فاتورة الطاقة بالتزامن مع ارتفاع محتمل في كلفة التمويل.
ويضيف الدولار طبقة أخرى من الضغط. فارتفاع توقعات الفائدة الأميركية قد يزيد جاذبية الأصول الدولارية، فيما يمكن أن يستفيد الدولار أيضًا من الطلب على السيولة والأمان في فترات التوتر. وبالنسبة إلى اقتصاد ناشئ مستورد للطاقة، قد يعني ذلك اجتماع ثلاثة ضغوط: نفط أغلى، وعملة محلية أضعف أمام الدولار، وتمويل أكثر كلفة.
وهكذا تتحول أزمة تبدو محصورة في الخليج إلى ضغط على ميزان المدفوعات والموازنة والدين في دولة تبعد آلاف الكيلومترات عن هرمز.
ولبنان؟
يقع لبنان في نهاية هذه السلسلة وهو يحمل عددًا كبيرًا من عناصر الهشاشة. فهو مستورد صافٍ للطاقة، ويعتمد بدرجة كبيرة على الدولار، ويعمل بهوامش مالية محدودة، فيما لا يزال نظامه المالي والمصرفي يعاني تداعيات الأزمة الممتدة.
لذلك لا تصل صدمة هرمز إلى المواطن اللبناني عبر أسعار المحروقات فقط، بل أيضًا عبر النقل وكلفة تشغيل المولدات والشحن وأسعار السلع والمواد الغذائية المستوردة وكلفة الإنتاج والقدرة الشرائية.
والمشكلة الأعمق هي محدودية أدوات امتصاص الصدمة، فالاقتصادات التي تمتلك احتياطيات كبيرة وأسواق دين عميقة ومؤسسات نقدية مستقرة تستطيع استخدام أدوات مالية ونقدية لتوزيع جزء من الكلفة عبر الزمن، أما الاقتصاد اللبناني فيملك مساحة أضيق بكثير.
وهنا تظهر إحدى مفارقات الاقتصاد السياسي للحروب: قد تدفع الدول الصغيرة والهشة ثمن قرارات استراتيجية لم تشارك أصلًا في اتخاذها.
المضيق المالي الخفي
هناك هرمز الجغرافي الذي تعبره الناقلات، وهناك هرمز مالي لا يظهر على الخرائط. الأول يقيس قدرة النفط على المرور، أما الثاني فيقيس قدرة الدول والشركات على الحصول على التمويل والكلفة التي تدفعها مقابله.
فالنفط الذي يتعطل وصوله إلى السوق يتحول إلى مخاطرة، والمخاطرة تدخل في السعر. وإذا استمرت الصدمة، تنتقل إلى التضخم وتوقعاته، ثم تدخل في حسابات البنوك المركزية، ومنها إلى أسواق السندات وكلفة الاقتراض وخدمة الدين.
هذه السلسلة ليست حتمية؛ فقد تنكسر إذا عادت الإمدادات سريعًا، أو تراجعت أسعار الطاقة، أو امتص الاقتصاد الصدمة، أو اعتبرها البنك المركزي مؤقتة. لكن استمرار الأزمة يسمح للجغرافيا بأن تدخل تدريجيًا في سعر المال.
وهنا تكشف حرب هرمز عن شكل من أشكال القوة يمكن وصفه بـ«الكلفة العابرة للحدود» وتستطيع إيران استخدام موقعها الجغرافي لزيادة كلفة الضغط عليها، فيما تستطيع الولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية والمالية لزيادة كلفة خيارات طهران، لكن الاقتصاد العالمي يعيد توزيع جزء من هذه الكلفة على دول وشركات وأسر لم تشارك أصلًا في صنع القرار العسكري.
لذلك فالتعبير الأدق ليس أن هرمز «يرفع سعر الفائدة العالمي»، بل أنه يستطيع، عندما تكون الصدمة كبيرة ومستدامة، أن يصبح أحد المدخلات الجيوسياسية في تسعير المال العالمي.
وهذه ربما هي المفارقة الأهم: قد تبدأ الأزمة بناقلة في الخليج، ثم تمر عبر برميل النفط وشاشة المتداول واجتماع البنك المركزي وسوق السندات، قبل أن تنتهي في موازنة دولة لا تطل أصلًا على أي بحر.
ختاماً، لم تعد حروب المضائق صراعًا على الجغرافيا وحدها، بل أصبحت أيضًا صراعًا على الكلفة التي تستطيع الجغرافيا فرضها على شبكة الاقتصاد العالمي، وإذا كان هرمز هو المكان الذي تضيق فيه خريطة العالم، فقد يكون سعر الفائدة هو المكان الذي تضيق فيه قدرة الدول على الهرب من تداعياته.