أخبار سياسيةالقمح كسلاح جيوسياسي: هل يعود البحر الأسود إلى قلب الأمن الغذائي العالمي؟

القمح كسلاح جيوسياسي: هل يعود البحر الأسود إلى قلب الأمن الغذائي العالمي؟

- Advertisement - Advertisement

بقلم: علي عيسى

حين تُقصف منشأة عسكرية في حرب، تبدو العلاقة بين الهدف والنتيجة واضحة نسبيًا. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا حين يكون الهدف ميناءً تُحمّل منه شحنات القمح، أو منشأة لتصدير الحبوب، أو سفينة تجارية. عندها لا تتوقف آثار الضربة عند حدود الدولة المستهدفة، بل تنتقل إلى أسواق السلع العالمية، وكلفة استيراد الخبز في الشرق الأوسط، وبرامج الإغاثة في أفريقيا، وموازنات الدعم في الدول المستوردة للغذاء.

من هنا تكتسب المواجهة المتصاعدة في البحر الأسود أهمية تتجاوز الحرب الروسية–الأوكرانية. فالمنطقة ليست مجرد مسرح بحري للصراع، بل أحد أهم شرايين التجارة الزراعية العالمية. روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم، وأوكرانيا لاعب رئيسي في أسواق القمح والذرة والبذور الزيتية والزيوت النباتية. وفي المواسم الأخيرة مثّلت أوكرانيا نحو 6 في المئة من صادرات القمح العالمية ونحو 11 في المئة من صادرات الذرة. ولذلك فإن تعرّض الموانئ والسفن والمنشآت اللوجستية لدى الطرفين لهجمات متبادلة يعني أن البنية التي تنقل الغذاء إلى العالم باتت جزءًا من ميدان الحرب.

خلال صيف 2026، تصاعد هذا الخطر بصورة حادة. ففي تموز وحده، سجلت أوكرانيا 35 هجومًا على سفن داخل الموانئ، و22 هجومًا على سفن في البحر، إضافة إلى 67 ضربة لمنشآت الموانئ، وفق وزارة البنية التحتية الأوكرانية، مقارنة بـ14 هجومًا على السفن في 2025. وفي 12 آب، أدت ضربة أوكرانية بالمسيّرات إلى تعليق العمليات في محطة رئيسية للحبوب في ميناء نوفوروسيسك الروسي، فيما واصلت روسيا ضرب منشآت الموانئ الأوكرانية في منطقة أوديسا. لم يعد الهدف العسكري وحده يحدد مسار المواجهة؛ فقد أصبحت قدرة الخصم على التصدير وتوليد الإيرادات وحماية خطوط الإمداد جزءًا من حسابات الحرب.

تكمن الخطورة في أن تعطيل الصادرات الأوكرانية لا يبقى مشكلة محلية. فقد حذر وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي من أن أكثر قليلًا من 30 مليون طن من الحبوب والبذور الزيتية قد لا تصل إلى الأسواق الدولية إذا استمرت أزمة الموانئ، ويقدَّر الفائض القابل للتصدير هذا الموسم بنحو 43 مليون طن. أما البدائل عبر السكك الحديدية والطرق ونهر الدانوب، فلا تستطيع استيعاب أكثر من 50 إلى 55 في المئة من الطاقة الشهرية لموانئ البحر الأسود، كما تضيف ما بين 45 و50 دولارًا إلى كلفة الطن. لذلك يبقى البحر الأسود ممرًا يصعب استبداله اقتصاديًا.

بهذا المعنى، اصبح القمح جزءًا من الضغط الجيوسياسي حتى لو لم يكن الهدف استخدام الغذاء كسلاح. فعندما تُضرب قدرة الخصم على التصدير، تنتقل الآثار إلى التأمين والشحن والأسعار والتمويل، ثم إلى دول لا علاقة لها مباشرة بالحرب. وقد بدأت الأسواق بتسعير هذا الخطر؛ إذ ارتفعت عقود القمح القياسية في شيكاغو بأكثر من 17 في المئة منذ بداية تموز، مدفوعة بتراجع إمدادات البحر الأسود. ولا تحتاج سفينة القمح إلى أن تُقصف كي ترتفع كلفتها؛ يكفي ارتفاع احتمال الخطر لكي ترتفع علاوات التأمين، وتتأخر الرحلات، وتصبح الشحنة نفسها أكثر كلفة.
وهذا لا يعني أن العالم يقف أمام نسخة مطابقة لأزمة 2022 اذ أصبحت السوق أكثر قدرة على البحث عن بدائل في أستراليا والأرجنتين والولايات المتحدة وكندا وأوروبا. لكن وجود البديل لا يعني تساوي الكلفة. فالقمح الأسترالي الممتاز دار مؤخرًا حول 315 إلى 320 دولارًا للطن شاملًا الشحن، مقابل نحو 260 إلى 280 دولارًا للطن لشحنات من البحر الأسود. الفارق قد يبدو محدودًا عند الحديث عن طن واحد، لكنه يتحول إلى أرقام هائلة حين تحتاج دولة مستوردة إلى ملايين الأطنان سنويًا.

وهنا تظهر حساسية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فدول عديدة تعتمد على الاستيراد بسبب محدودية المياه والموارد الزراعية، في وقت تعاني فيه ضغوطًا مالية وتضخمًا ومديونية مرتفعة. وتبقى مصر المثال الأوضح؛ إذ حصلت على أكثر من 82 في المئة من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا خلال النصف الأول من 2026. ويمكنها التحول إلى موردين آخرين، لكن ذلك يعني دفع كلفة أعلى للنقل والشراء. كما أن القطاع الخاص المصري، الذي يستورد أكثر من نصف احتياجات البلاد من القمح، يعمل بمخزونات أصغر من مخزونات الدولة، ما يجعله أكثر حساسية للتعطل المفاجئ في الشحن.
وعند هذه النقطة تنتقل الأزمة من التجارة إلى الأمن الاجتماعي. فارتفاع كلفة القمح يضع الحكومات أمام خيارات محدودة: زيادة الدعم، أو تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلك، أو تقليص إنفاق آخر. وفي الاقتصادات الهشة يمكن لصدمات أسعار الغذاء أن تتحول إلى توتر اجتماعي وسياسي. أما في الدول الفقيرة أو المتأثرة بالحروب والجفاف، فالمشكلة قد لا تكون في اختفاء القمح من السوق العالمية، بل في فقدان القدرة على شرائه. وهنا تظهر مفارقة الأمن الغذائي الحديث: الوفرة العالمية لا تضمن الوصول، كما أن وجود المورد البديل لا يضمن القدرة على تحمّل سعره.

لقد أثبتت مبادرة حبوب البحر الأسود عام 2022 أهمية فصل الغذاء، قدر الإمكان، عن منطق الحرب. فالترتيب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة وتركيا أتاح نقل نحو 32.9 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية الأوكرانية إلى 45 دولة قبل توقفه في تموز 2023، وساعد على إعادة الثقة إلى حركة السفن وتخفيف ضغوط الأسعار. وحتى بعد انتهاء المبادرة رسميًا، يقول تجار ومتعاملون إن نوعًا من التوازن العملي استمر لفترة وجنّب إلى حد كبير سفن الحبوب ومحطات التصدير لدى الطرفين الاستهداف المباشر. لكن هذا الترتيب غير الرسمي انهار خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يفسر القلق المتزايد في الأسواق.

في المقابل، لا يمكن قراءة الأزمة وكأن الضغط يسير في اتجاه واحد. فالهجمات الأوكرانية على منشآت روسية تعني أن موسكو نفسها تواجه كلفة اقتصادية وتعطلًا في بعض عمليات التصدير، فيما يؤدي تراكم الحبوب داخل الدول المصدرة إلى الضغط على أسعار المنتجين المحليين. وحين تكون دولتان من كبار المصدرين قادرتين على تهديد البنية اللوجستية لبعضهما، يتحول البحر بأكمله إلى منطقة مخاطر تجارية تتجاوز الطرفين.
لذلك ووفق ما سبق فإن الأمن الغذائي يقترب بشدة من منطق أمن الطاقة.
فكما أن العالم يعتمد بشكل مفرط على مصدر واحد للطاقة اي النفط أو الغاز وهو ما يشكل مخاطرة استراتيجية، يدرك اليوم أن الاعتماد على منطقة جغرافية محدودة لتأمين نسبة كبيرة من الحبوب يحمل خطرًا مشابهًا. ومن المرجح أن تدفع الأزمة الدول المستوردة إلى تنويع الموردين وزيادة المخزونات الاستراتيجية وتوقيع عقود أطول أجلًا. لكن هذا الانتقال ستكون له كلفة: فالعولمة القديمة سابقا بحثت عن المورد الأرخص، بينما يبحث عالم اليوم في ظل الخروب والاضطرابات عن المورد الأكثر أمانًا ولو كان أغلى.

وفي هذه المعادلة قد يفترض أن تستعيد تركيا دورها كوسيط بحكم دورها في اتفاق 2022. غير أن هامش الوساطة يبدو محدودًا حاليًا؛ ففي 14 آب 2026 رفضت موسكو فكرة هدنة جزئية في البحر الأسود، معتبرة أن لا أساس لـ«أنصاف الحلول»، مع تأكيدها أنها لم تتلقَّ مقترحًا تركيًا رسميًا. وهذا يعني أن الممر البحري الذي يحمل جزءًا مهمًا من غذاء العالم ما زال خاضعًا لمنطق الحرب أكثر من خضوعه لضمانات دولية مستقرة.

الخلاصة: من يملك حق تعطيل رغيف العالم؟

السؤال الذي تطرحه أزمة البحر الأسود أوسع بكثير من روسيا وأوكرانيا. فالعالم الذي بنى منظومته الغذائية على التخصص والتجارة الدولية وجد نفسه أمام حقيقة غير مريحة: عدد محدود من الممرات والموانئ يستطيع التأثير في حياة مئات الملايين من البشر الذين قد لا يعرفون أين تقع أوديسا أو نوفوروسيسك، لكنهم يشعرون بنتائج ما يحدث هناك في سعر الخبز الذي يشترونه يوميًا.

وما يجعل اللحظة الراهنة مقلقة هو أن التفاهم غير المكتوب الذي جنّب الطرفين خسارة صادراتهما بالكامل لسنوات قد تفكك، دون أن يحل محله شيء واضح. لا هدنة معلنة، ولا وساطة نشطة تبدو قريبة من نتيجة. وهذا ليس مؤشر أزمة عابرة يمكن احتواؤها بجولة مفاوضات، بل تحول في قواعد اشتباك غير مكتوبة كانت تحمي، ولو جزئيًا، حركة الغذاء العالمي.

الأرجح أن الإجابة عن سؤال من يملك حق تعطيل رغيف الآخرين لن تأتي قريبًا. وربما يكون الأكثر إثارة للقلق أن يتحول تعطّل الغذاء إلى واقع تتأقلم معه الأسواق والحكومات تدريجيًا، لا لأنه حُلّ، بل لأنه أصبح مألوفًا؛ فالأسعار الصادمة تتحول إلى “المستوى الطبيعي الجديد”، فيما تتعلم الدول إدارة النقص المزمن بصمت، بعيدًا عن العناوين والقمم الدولية، قبل أن يصبح الأمر واقعًا لا يُناقش بل يُعاش.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

الأكثر شهرة

احدث التعليقات