أخبار سياسيةهل سيودَع اتفاق مجلس السلام لدى الأمم المتحدة كمعاهدة متعددة الأطراف ليكون تكتل عالمي حديث ام...

هل سيودَع اتفاق مجلس السلام لدى الأمم المتحدة كمعاهدة متعددة الأطراف ليكون تكتل عالمي حديث ام انه سيكون بديلاً لها؟

- Advertisement - Advertisement

الدكتور محمد محمود شحادة

في رؤية أولية، و قبل الاتطلاع على بنود ميثاق مجلس السلام الذي وقّع الاتفاق عليه يوم الخميس ٢٢-١-٢٠٢٦ في  مدينة دافوس في سويسرا، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي رعى هذا التأسيس و٨ دول أخرى من بينهم إندونيسيا مع رفض بارز للصين وفرنسا، وكان هدف إنشاء المجلس هو إعادة اعمار غزة و ادارتها الا انه باعتراف كبار الدوليين تحول هذا المجلس الى نطاق عالمي أوسع مع ميثاق يقارب توجهات دولية واممية شبيهة بميثاق الأمم المتحدة، مع اعتراف ترامب بعجز الأمم المتحدة عن القيام بواجباتها، دون ان ننسى ان الولايات المتحدة لم تكن عضواً في عصبة الأمم التي قامت بعد الحرب العلمية الأولى حتى تم تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الامم المتحدة تشكل الركيزة الاساسية للنظام الدولي الحديث بوصفها منتدى سياسي للدول و ضابطة عالمية تضبط السلوك الدولي عبر ميثاقها ومؤسساتها وقواعد القانون الدولي العام، غير ان الطروحات التي ظهرت خلال عهد الرئيس الاميركي دونالد ترامب في تهميش الامم المتحدة او تجاوزها واليوم التلويح باستبدالها بهيئة بديلة مثل مجلس السلام، تفتح الباب امام سؤال خطير: هل نحن امام اطاحة تدريجية بالقانون الدولي، واعادة العالم الى منطق ما قبل 1914؟

اولا: خلفية فكرة استبدال الامم المتحدة

لم تكن مواقف ترامب من الامم المتحدة طارئة او تكتيكية، بل جاءت ضمن طموحاته الاوسع التي تقوم على الهيمنة الأحادية و رفض التعددية الدولية، وعليه يقوم بالتشكيك في جدوى المؤسسات العابرة للسيادة، فقد اعتبر ترامب ان الامم المتحدة منظمة مكلفة، بيروقراطية وغير عادلة للولايات المتحدة، واتهمها مرارا بالعجز عن فرض السلام، وبخدمة خصوم واشنطن، في هذا السياق، ظهرت افكار بديلة تقوم على انشاء تكتلات او مجالس محدودة العضوية، تقودها القوى الكبرى او المنتصرة، بدعوى انها اكثر فاعلية وواقعية من المنظومة الاممية الواسعة.

غير ان فكرة مجلس السلام المبدئية المعلنة هدفها غزة و ثم تتوسع عالمياً لتطبيق النموذج الإنمائي والداري من غزة الى كلّ أماكن الصراعات الأخرى، ولكن ما يضمره ترامب هو الرغبة بنقل الشرعية الدولية من نظام قائم على ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الى نظام قائم على موازين القوة والنفوذ السياسي والعسكري، وعليه نحن امام سؤال أساسي هل الرغبة بالاطاحة بالقانون الدولي ام تحييده؟

بالأساس القانون الدولي يستمد قوته من مرجعيته الجماعية، ومن وجود مؤسسات دولية تمنحه شرعية اخلاقية وقانونية، حتى لو كان تطبيقه ناقصا او انتقائيا، فاستغناء الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاكبر عن الامم المتحدة او تقويض دورها، يعني فعليا تحييد القانون الدولي، لا تطويره، ففي غياب الامم المتحدة، او في ظل تهميشها، تفقد قرارات مجلس الامن وزنها، وتتحول الاتفاقيات الدولية الى نصوص غير ملزمة، ويصبح مبدأ سيادة الدول عرضة للتأويل حسب مصالح القوى الكبرى، وهذا يعيد العالم الى مرحلة القوة حيث يفرض الاقوى ارادته دون الحاجة الى غطاء شرعي دولي الذي سيؤدي الى فقدان التوازن الدولي عبر تطيير المهادات المتعددة الأطراف التي كانت ترعاها الأمم المتحدة وبالتالي فقدان الضابطة العالمية.

فالنظام الدولي رغم اختلالاته يقوم على نوع من التوازن بين القوى الكبرى، وعلى وجود ضابطة دولية تحد من الانفلات، و الامم المتحدة حتى في اشد عجزها لعبت دور صمام امان ورأي عام و اراء خبراء دوليين لابراز الحق إضافة الى توفير قنوات دبلوماسية واطر تفاوض ومنابر لاحتواء الازمات دون الاكتراث بمدى تحقيق النتائج المكتملة، فيصبح استبدال هذا النظام بمجالس ضيقة او تحالفات انتقائية عرضة الى فقدان التوازن الدولي، ويهمش الدول المتوسطة والصغيرة التي لاذت بالكبرى، ويجعل مصيرها رهنا بقرارات قوى لا تمثلها، كما ان غياب ضابطة دولية جامعة يفتح الباب امام سباق نفوذ، وتوسع النزاعات الاقليمية وتحولها الى صراعات مفتوحة.

يستدعي هذا التحول المقترح مقارنة تاريخية مع المرحلة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، ففي تلك المرحلة لم يكن هناك نظام دولي جامع، ولا مؤسسة قادرة على ضبط التنافس بين الامبراطوريات فسادت سياسة الاحلاف، وتقدمت القوميات وغاب القانون الدولي كمرجعية فعلية، ما جعل اي ازمة محلية قابلة للتحول الى حرب عالمية.

اليوم، ومع تراجع دور الامم المتحدة وصعود الشعبويات القومية، وتآكل التعددية وتعزيز الاحادية، نرى هناك ملامح مشابهة كتفكك النظام الجماعي وتصاعد منطق القوة وعودة سياسات الردع العسكري وتزايد النزاعات المفتوحة، والفرق الوحيد ان ادوات الدمار اليوم اكثر فتكاً ما يجعل اي انهيار للنظام الدولي اكثر كلفة وخطورة واقصرها وقتاً.

و اخطر ما في مشروع تهميش الامم المتحدة ليس ما ينتجه فورا، بل ما يؤسسه على المدى الطويل فهو يضرب فكرة الشرعية الدولية، ويعيد تعريف السلام بوصفه نتيجة لتوازن القوة لا لاحترام القانون كما انه يشرعن التدخلات العسكرية، ويضعف آليات المحاسبة الدولية، ويحول حقوق الانسان من قيمة عالمية الى اداة سياسية انتقائية، كما ان هذا المسار يعزز انقسام العالم الى كتل متصارعة، ويدفع قوى دولية اخرى كروسيا والصين، الى بناء انظمة موازية، ما يسرع تفكك النظام الدولي بدلا من اصلاحه.

ان استغناء الولايات المتحدة عن الامم المتحدة، او استبدالها بمجلس سلام محدود لا يمثل اصلاحا للنظام الدولي بل تهديدا وجوديا له، فكما ورد عن رئيس المجلس الأوروبي حرفياً : تخوفات الاتحاد الأوروبي تتعلق بنطاق مجلس السلام ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة، و لدى الاتحاد الأوروبي مخاوف جدية بشأن عدد من البنود الواردة في ميثاق مجلس السلام.

فهذا المجلس هو انتقال من عالم تحكمه القواعد ولو نظريا، الى عالم تحكمه القوة المجردة، ومثلما قادت الفوضى القانونية والسياسية في مطلع القرن العشرين الى حرب عالمية مدمرة، فان استمرار هذا المسار اليوم ينذر بانهيار التوازن الدولي، وبدخول البشرية مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة دون ضابط ودون مرجعية، ودون سلام حقيقي.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

الأكثر شهرة

احدث التعليقات