فاطمة المولى
العطاء : هو بذلُ ما نملك من مالٍ أو وقتٍ أو جهدٍ أو علمٍ أو مشاعر، طوعًا ومن غير انتظار مقابل، بدافع الخير والمحبّة والإحسان والرغبة، بقصد نفع الآخرين وبناء العلاقات الإنسانية و تحسين المجتمع. ويتفرع هذا العطاء الى عدة جوانب: كالعطاء المادي ؛ العطاء المعنوي ؛ العطاء الفكري ؛ العطاء الإنساني.
إن العطاء بحد ذاته قيمة أخلاقية سامية تعكس سموّ النفس ونُبل المقصد، وتُسهم في نشر التعاون والرحمة.
أما الاستنزاف: هو استهلاكُ الموارد أو الطاقات بشكلٍ متواصل ومفرط و يؤدي ذلك إلى إضعافها أو نفادها تدريجيًا، سواء كانت موارد مادية أو بشرية أو نفسية أو اقتصادية، دون تعويضٍ عن الجهد المبذول. ويشمل هذا الاستنزاف : الاستنزاف النفسي ؛ الاستنزاف الجسدي ؛ الاستنزاف الاقتصادي ؛ الاستنزاف البيئي.
ويدلّ الاستنزاف على خللٍ في التوازن بين العطاء والقدرة على الاستمرار الذي يؤدي الى قتل الدافعية في الشخص.
وهنا يطرح السؤال: متى يصبح العطاء استنزافا؟
يبدأ العطاء بالتحوّل إلى استنزاف عندما يتجاوز الإنسان حدود قدرته، فيعطي أكثر مما يحتمل جسديًا أو نفسيًا أو ماديًا، دون أن يلتفت إلى حاجاته الأساسية. فإهمال الذات باسم التضحية لا يُعدّ فضيلة، بل شكلًا من أشكال الإجحاف بحق النفس، التي لها حقّ الراحة والرعاية كما للآخرين.
كما يصبح العطاء استنزافًا حين يتحوّل إلى واجبٍ مفروض أو يُقابل بالاستغلال، فيفقد المُعطي حريّة الاختيار ويشعر بأن عطاؤه أمرٌ مسلّم به لا يُقدَّر. فغياب التقدير والاحترام يُفرغ العطاء من قيمته المعنوية، ويحوّله إلى مصدر للإحباط والإنهاك بدل أن يكون باعثًا على الرضا. بل يزداد الطلب على كاهل الشخص ويلام بحالة التقصير بالاضافة زيادة وتيرة الطلبات على كاهله دون الاكتراث لقبوله بها ام رفضها وذلك لعدة اعتبرات اولها ” نمون عليه ” و “بيحمل” .
ولا يقلّ خطر الاستنزاف حين يستمر العطاء رغم الأذى أو الإساءة، إذ إنّ الاستمرار في البذل لمن لا يقدّر أو يُسيء يعكس خللًا في فهم معنى العطاء ذاته، الذي ينبغي أن يكون مقرونًا بالحكمة وحفظ الكرامة. فالعطاء الحقيقي لا يُلغي الحدود، بل يُقام على وعيٍ يحمي المُعطي من الذوبان في احتياجات الآخرين.
وهنا نميز انواع العطاء وتحولها نحو الاستنزاف :
- العطاء المادي: شخص دائمًا يقدم المال أو الهدايا للأصدقاء أو الزملاء، لكنهم يستغلون كرمه دائمًا ولا يردون الجميل. و تقديم التبرعات لمن يطلب دائمًا بدون وعي أو حد، فيُستنزف الشخص ماليًا دون فائدة حقيقية.
- العطاء النفسي: شخص يقدّم الدعم النفسي أو المشورة، لكن الآخرين يسيئون استخدام مشاعره، يطلبون منه الحلول دائمًا ولا يحاولون التغيير. فيتم مشاركة الاسرار أو المشاعر مع الآخرين، فيُستغل ضعف الشخص العاطفي للحصول على رضاهم أو مصالحهم.
- العطاء في العمل: موظف دائمًا يتحمّل مهام إضافية في العمل دون تقدير أو مكافأة، فيُستنزف جسديًا ونفسيًا. معلم أو أستاذ يقدّم وقتًا وجهدًا أكثر من المطلوب، بينما البعض يستغل جهده دون احترام وقته.
- العطاء الاجتماعي: شخص دائمًا يساعد الجيران أو الأقارب، لكن بعضهم يستغل مساعدته كأمر مفروغ منه، ولا يحاول الاكتفاء بذاته أو تقديم مقابل ولو قليل. مثلا التطوع في مشروع ما بشكل مستمر دون تنظيم أو حدود، فتصبح الطاقة مستهلكة فقط لتلبية طلبات الآخرين.
وبناء على ما تقدم يجب على الانسان معرفة وضع الحدود والتمييز بين العطاء والاستغلال ومن ثم الاستنزاف وذلك لما له تبعات نفسية وجسدية وعمليه تؤثر على استمرارية الشخص في شتى المجالات الشخصية والعملية ويؤدي دون شك الى الاحتراق اداخلي و الاحتراق الوظيفي.ولذلك يجب:
• وضع حدود واضحة في العمل: تحديد ساعات محددة لإنجاز المهام، وعدم قبول مهام إضافية باستمرار دون تقدير أو اتفاق.
• وضع حدود في الحياة الشخصية: قول “لا” بطريقة مهذبة للأصدقاء أو الأقارب عند طلب المساعدة المفرطة.
• إدارة الوقت بذكاء: وذلك من خلال تخصيص وقت للراحة وإعادة شحن الطاقة كاستخدام جدول يومي لتقسيم المهام، مع ترك مساحة للراحة وممارسة الانشطة المفضلة لديك.
• الاعتناء بالنفس: النوم الكافي، التغذية الصحية، وممارسة الرياضة ، التأمل، الكتابة، أو التحدث مع شخص موثوق.
• تقييم العطاء والقدرة: التأكد أن العطاء لا يفوق الموارد المتاحة (مال، وقت، طاقة). والتاكد اذا كان العمل يستحق الدعم او لا.
• لتعلم قول “لا” دون شعور بالذنب: الفهم أن رفض الطلبات الزائدة ليس أنانية بل حماية للنفس.
• طلب الدعم عند الحاجة: مشاركة الأعباء مع الآخرين أو توزيع المهام. مثلا : في العمل، طلب مساعدة الزملاء عند تراكم المهام بدل محاولة حل كل شيء بمفردك.
• مراجعة العطاء دوريًا: قم بتقييم ما قدمته وما تم الحصول عليه مقابل العطاء فيئدي ذلك لتعديل الطريقة أو الحد منها عند الشعور بالاستنزاف.
ملاحظة: صحيح أن الحياة تجبر الاشخاص في مواقف معينة وحدودة معينة الى العطاء دون الحصول على التعويض المرجو ولكن يحصل ذلك لمرات محددة وفي ظروف محددة كأنما الامر اشبه بتقديم خدمة وانتهت كدليل على المحبة او المساعدة المؤقتة شرط ان لا يتحول الى بذل مستدام والا نهايته المحتومة اشكاليات في العمل وعلى المستوى النفسي .
وخلاصة القول، إنّ العطاء لا يكون ساميًا إلا إذا كان متوازنًا، صادرًا عن اختيار، ومحاطًا بحدودٍ تحفظ طاقة الإنسان وكرامته. فالعطاء الصحي هو ذاك الذي يُنقذ الآخرين دون أن يُغرق صاحبه، ويُضيء الطريق دون أن يحترق.