أخبار سياسيةهل تكسر الضربات الجديدة مذكرة حزيران؟قراءة في هشاشة التهدئة الأميركية- الإيرانية بقلم...

هل تكسر الضربات الجديدة مذكرة حزيران؟قراءة في هشاشة التهدئة الأميركية- الإيرانية بقلم علي عيسى

- Advertisement - Advertisement

كتب علي عيسى

تزامنت الجولة الجديدة من الضربات الأميركية على إيران مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، حيث كانت طهران تؤكد حضورها ضمن تجمع دولي يدعو إلى عالم متعدد الأقطاب، بينما أعادت المواجهة العسكرية اختبار قدرة مذكرة حزيران على ضبط الصراع. ولا يثبت هذا التزامن أن واشنطن اختارت توقيت الضربات لتوجيه رسالة إلى المجتمعين، لكنه يكشف المسافة بين الحضور الدبلوماسي الإيراني وقدرته على التأثير في الحسابات العسكرية الأميركية، كما يطرح سؤالًا عن جدوى التفاهمات عندما تبقى خلافات تنفيذها مفتوحة على استخدام القوة.
بدأت الجولة بضربات أميركية على جزيرة لارك أعقبتها هجمات إيرانية على مواقع للقوات الأميركية، ثم أعلنت القيادة المركزية الأميركية، الثلاثاء الأول من أيلول، تنفيذ ضربات أوسع. وقدّمت واشنطن عملياتها باعتبارها ردًا على محاولات إيرانية لزرع ألغام في هرمز وإطلاق ثمانية صواريخ باتجاه قاعدة أميركية في الأردن، قال الرئيس دونالد ترامب إنها اعتُرضت جميعًا، مهددًا بضربات أكبر إذا ردّت طهران. ووفق البيانات العسكرية الأميركية، شملت الأهداف منظومات دفاع جوي ورادارات ومنشآت بحرية وقدرات تلغيم واتصالات، في إطار ما وصفته واشنطن بمواجهة تهديدات قواتها والملاحة التجارية.
الموقف الإيراني: الرد والتفاوض المشروط
في المقابل، تقدّم طهران هجماتها باعتبارها ردًا على الضربات الأميركية، وتحمّل واشنطن مسؤولية تجدد التصعيد، بينما يربط موقفها الدبلوماسي العودة إلى الالتزام بالمذكرة بتنفيذ التعهدات الأميركية. وقد أعلن بزشكيان في بيشكيك استعداد إيران للعودة فورًا إلى التزاماتها إذا التزمت الولايات المتحدة بتعهداتها، مؤكدًا أن الحرب ليست في مصلحة أحد وأن باب التفاوض لا يزال مفتوحًا. وتربط طهران استعادة حرية الملاحة في هرمز بتنفيذ بنود التفاهم، بما يجعل الخلاف، وفق روايتها، متعلقًا بالإخلال بالالتزامات وترتيب تنفيذها.
ويكشف الجمع الإيراني بين الاستعداد المشروط للتفاوض والرد العسكري محاولةً محتملة للحفاظ على أوراق الضغط دون إغلاق المسار الدبلوماسي، لكنه يوسّع آثار النزاع حين تصبح الملاحة مرتبطة بتنفيذ المطالب، فتتحمل دول وسفن تجارية ليست طرفًا في المواجهة جانبًا من كلفتها. وبالمثل، يطرح استخدام واشنطن القوة لحماية العبور سؤالًا عن فاعلية هذه الوسيلة إذا أعقبتها ردود تزيد المخاطر البحرية، وبذلك يصبح تقييم موقفي الطرفين مرتبطًا بالأفعال والنتائج ومدى الالتزام بالتعهدات، لا بالمبررات المعلنة وحدها.
يمكن قراءة هذا التتابع ضمن سياسة “حافة الهاوية”، حيث يستخدم الطرفان القوة والتهديد لتحسين موقعيهما، لكن محدودية الضربات لا تضمن احتواء نتائجها، ولا تثبت أن جميع خطوات التصعيد محسوبة بدقة. فالعملية التي يراها منفّذها إجراءً ردعيًا قد يفسرها الطرف الآخر باعتبارها تجاوزًا يستوجب الرد، بينما تجعل التهديدات العلنية التراجع أكثر كلفة سياسية. ومن هنا يصبح السؤال أوسع من تحديد من ضرب أولًا: لماذا تتعثر التهدئة، وكيف تتحول خلافات التنفيذ إلى مواجهات متجددة؟
مذكرة حزيران ومعضلة التنفيذ
منذ اندلاع الحرب في ٢٨ شباط ٢٠٢٦، تعاقبت مراحل القتال ومحاولات التهدئة، وصولًا إلى مذكرة تفاهم في حزيران استهدفت وقف المواجهة وفتح المجال أمام التفاوض. غير أن الخلافات على التنفيذ وتجدد الضربات في تموز أضعفا فاعليتها، قبل الجولة الحالية التي وضعتها أمام اختبار إضافي. ويقتضي تقييم هذا المسار التمييز بين خرق الاتفاق وتعطل تنفيذه وانهياره الكامل، إذ قد يبقى مرجعًا سياسيًا رغم تراجع قدرته على ضبط الميدان.
وتكمن إحدى المعضلات في أن الاتفاق على خفض القتال لا يضمن الاتفاق على ترتيب الالتزامات أو تفسيرها؛ فعندما ينتظر كل طرف أن يبدأ الآخر، يصبح التأخير قابلًا للتأويل باعتباره تراجعًا، وتتحول الضربة العسكرية إلى أداة لفرض التزام قد يصبح، تحت الضغط نفسه، أصعب تنفيذًا. ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن المذكرة تخلو من آلية تحقق، لكن استمرار تبادل الاتهامات يطرح سؤالًا عن فاعلية الترتيبات القائمة، وعن وجود مرجعية مقبولة تفحص الخروق وقناة عاجلة لمعالجتها قبل الرد العسكري.
وتضيف الحسابات الداخلية ضغطًا على الطرفين، إذ قد يمنح إظهار الحزم مكاسب سياسية ويجعل التراجع عن التهديدات أكثر كلفة، دون أن يثبت ذلك وجود مصلحة مشتركة في استمرار الحرب. فقد تدفع محاولة تجنب الظهور بمظهر الضعف إلى تصعيد لا يفضله أي طرف، خصوصًا حين تتسع الفجوة بين الرسائل الدبلوماسية والتوقعات التي يصنعها الخطاب العسكري.
الكلفة الإنسانية والاقتصادية
تزداد خطورة هذا المسار مع التقارير عن سقوط ضحايا مدنيين، إذ نقلت تغطيات عن الهلال الأحمر الإيراني مقتل أربعة أشخاص، بينهم طفل، وإصابة أكثر من خمسين إثر إصابة منزل كان يشهد احتفال زفاف في كوهستك جنوبي إيران.
اقتصاديًا، بلغ خام برنت نحو ٩٥٫٤٥ دولارًا صباح الثاني من أيلول، بارتفاع ٠٫٩٪ في تلك التداولات، فيما أظهرت بيانات أولية لكبلر عبور أربع سفن لنقل السلع مضيق هرمز الثلاثاء، مقابل عشر الاثنين ومتوسط يقارب ثلاث عشرة خلال عشرة أيام، مع احتمال تعديل الأرقام بسبب إطفاء بعض السفن أجهزة التتبع. وتوفر هذه البيانات مؤشرًا محددًا على اضطراب العبور، دون اعتبار الرصد الأولي إحصاءً نهائيًا لكل حركة المضيق.
وتضاف إلى اضطراب الملاحة كلفة التأمين على مخاطر الحرب، التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال جولات سابقة، وفق تقرير نشرته ستاندرد آند بورز في تموز، وإن كانت هذه البيانات لا تحدد مقدار الزيادة المرتبطة بالجولة الحالية. فاستمرار بعض السفن في العبور لا يلغي أثر المخاطر في كلفة النقل والتجارة، خصوصًا في ممر مرّ عبره عام ٢٠٢٤ ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال؛ وهي بيانات سابقة للحرب توضح أهميته البنيوية ولا تصف حجم التدفقات الراهنة.
البعد الدولي وحدود الدعم
منحت قمة بيشكيك طهران منصة لتأكيد أنها ليست معزولة دبلوماسيًا، لكن ترجمة هذا الحضور إلى دعم مؤثر تتوقف على مصالح الدول المشاركة وقراراتها الفعلية، ولا يكفي التضامن السياسي للاستنتاج بوجود التزام يغيّر ميزان المواجهة. كما أن تصوير دول منظمة شنغهاي باعتبارها كتلة ذات حسابات متطابقة يحجب اختلاف أولوياتها وعلاقاتها ومصالحها الاقتصادية.
وفي الحالة الصينية، تمثل أهمية استقرار إمدادات الطاقة والملاحة أساسًا للاستدلال على مصلحة في احتواء التصعيد، لكن تحديد انعكاس هذه المصلحة على دعم إيران يحتاج إلى متابعة الإجراءات والمواقف. فالتقارب السياسي مع طهران لا يلغي الكلفة التي قد تتحملها بكين نتيجة اضطراب الممرات البحرية، مثلما لا يتيح وحده الجزم بحدود الدعم الذي يمكن أن تقدمه في ظروف متغيرة.
المسارات المحتملة واختبار الاستمرار
ختامًا، تبقى ثلاثة مسارات محتملة، من دون معطيات كافية لترجيح أحدها: استعادة التهدئة عبر الوساطة وتفاهمات تنفيذية، أو استمرار تبادل الضربات مع بقاء قنوات التفاوض، أو اتساع الاستهداف ليشمل منشآت طاقة حيوية، بما يعمّق الاضطراب الاقتصادي. ويتوقف الاتجاه الذي ستسلكه المواجهة على حجم الخسائر وطبيعة الأهداف وقدرة الوسطاء على توفير مخرج، فضلًا عن استعداد الطرفين لاحتواء الحوادث العسكرية دون تحويلها إلى مواجهة أوسع.
ويكمن الاختبار الحقيقي لمذكرة حزيران في قدرتها على إتاحة آلية للعودة إلى الالتزام بعد الخرق، قبل أن يصبح الرد المتبادل سياسة قائمة بذاتها؛ فوقف إطلاق النار يستطيع تقليل الخسائر قبل تسوية الخلافات الكبرى، لكنه يحتاج إلى التزامات واضحة وقنوات اتصال وإجراءات تحقق فعالة، وكلما ضعفت هذه الضمانات ازدادت كلفة التهدئة الهشة على المنطقة والاقتصاد العالمي، وأصبح الحفاظ على الاتفاق أصعب من إعلانه.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

الأكثر شهرة

احدث التعليقات